كان حضورُ تلك النفس العظيمة سلوى لأهل مصر. كلّما عصفت بالحياة آلامٌ أو امتحانات، اعتاد النّاس أن يُصغوا إلى كلمات السيدة نفيسة بصبرٍ ويقين؛ كلماتٍ تمحو الظلمة، وتزرع الطمأنينة في القلوب.
عاشت في مصر أمٌّ مسنّة تعتاش من بيع الخيوط. كان أبناؤها يغزلون لها الخيط، وفي يومٍ من كلّ أسبوع تمضي به إلى السوق. ذلك الدخل القليل هو عزاء الأسرة الفقيرة؛ به يشترون الطعام، وبه يقتنون قطن الأسبوع التالي.
وذات يوم، جاءت تلك الأمّ العجوز تصرخ باكية إلى السيدة نفيسة، تشكو ما حلّ بها. فقد كانت في طريقها المعتاد إلى السوق تحمل خيوطها، فإذا بطائرٍ كبير ينقضّ فجأة، ويختطف الخيوط من يدها، ويطير بها بعيدًا. ما إن رأت ذلك حتى أغمي عليها. وحين أفاقت، عاد المشهد يعتصر قلبها: كيف ستشتري الطعام الآن؟!
اجتمع الناس على صراخها، ثم حملوها إلى السيدة نفيسة.
فهمت السيدة نفيسة المحنة، ورفعت يديها بالدعاء من أعماق قلبها، ثم بثّت في العجوز السكينة قائلة: احفظي الهدوء في قلبك، فربّ الرحمة سيزيل همّك. رحمته معك دائمًا. الزمي الصبر، فإنّ ثماره فرح. فكانت كلماتها بردًا لطيفًا على قلب الأمّ المنهك. وقرّرت أن تبقى عند السيدة نفيسة حتى تنجلي الغمّة.
ولم يطل الانتظار؛ إذ دخل جمعٌ من التجّار مسرعين، وقالوا: كنا عائدين من تجارتنا، وقد سافرنا بحرًا. ولمّا اقتربنا من مصر، هاج البحر واشتدّ، واضطربت السفينة، واصطدمت بصخرة فانفكّت ألواحُها. حاولنا إصلاحها فلم نفلح، وظننّا أن الهلاك قد حان.
وفي تلك اللحظة، ظهر طائر لا ندري من أين جاء، وفي منقاره حزمة خيوط. ألقاها في السفينة ثم طار. أسرعنا فأغلقنا بها الثقب، ونجونا بفضل الله، ووصلنا إلى البرّ سالمين. جئنا نبحث عن صاحبة تلك الخيوط، ومعنا مكافأة قدرها خمسمائة درهم.
حين سمعت السيدة نفيسة القصّة، حمِدت الله وقالت: يا ربّ، ما أوسع رحمتك! ثم دعت الأمَّ العجوز وسألتها: كم تربحين من بيع الخيوط في أسبوع؟ قالت: عشرين درهمًا.
فقالت السيدة نفيسة: لقد عوّضك الله عن كلّ درهم ظننتِه ضائعًا بخمسةٍ وعشرين، أضعافًا مضاعفة.
ففاض قلب العجوز فرحًا، وقالت من أعماقها: الحمد لله.
وفي يومٍ آخر، أرسل الحاكم إلى السيدة نفيسة هديّةً قدرها مئة ألف درهم، فما إن وصلها المال حتّى تصدّقت به كلِّه في اليوم نفسه. شهدت ذلك إحدى خادماتها فقالت متعجبة: لو ادّخرتِ شيئًا منه، لكان لنا ما نفطر به اليوم. فهدّأتها السيدة نفيسة بكلمات مطمئنة.
ومرّةً، خطف قومٌ طفلًا من أرض مصر، وساقوه نحو عدن. بحث عنه والداه في كلّ مكان، فلم يهتدوا إلى أثره، واشتدّ بهما الحزن. قصدا السيدة نفيسة باكيين. رفعت يديها بالدعاء وقالت: يا ربّ، رُدّ على هذين الوالدين طفلَهما، وأقِرَّ أعينَهما به. وفي تلك الليلة نفسِها، عاد الطفل إلى والديه سالمًا.
