ابنةٌ لم يعلّق قلبها بزينةٍ ولا تعلّقت نفسها بحُلِيّ، لا زهدًا مصطنعًا، بل لأنّ أباها لم يكن يُحبّ ذلك لها. كانت نساء قريش يخرجنَ متزيّنات متفاخرات، أمّا هي فكان شعور الآخرة حاضرًا في أعماقها: ما قيمة هذا العالم أمام ما يُنتظر في الدار الآخرة؟
وذات مرّة وقع أمرٌ دقيق. خرجت السيدة فاطمة، على غير عادتها، وفي عنقها قلادة صغيرة، وزارت أباها. استقبلها رسولُ الله ﷺ بحبّه المعهود، وبشاشةٍ تليق بأغلى بناته. غير أنّ عينيه وقعتا على تلك القلادة، فعاد ينظر إليها مرارًا. أحسّت فاطمة بأنّ نور عيني أبيها قد خفت، وأنّ إشراق وجهه قد تغيّر. لم يحتج الأمر إلى كلام؛ فقد فهمت الابنة الذكيّة سرّ قلب أبيها.
شعرت بندمٍ عميق. ماذا تصنع؟ دارَ في نفسِها حوار طويل: لن ألبس هذه القلادة بعد اليوم. أأبيعها وأشتري بها عبدًا؟ لا…، سيظلّ ذاك العبد يذكّرني بها. بل أشتري بها عبدًا فأعتقُه لوجه الله. وهكذا فعلت فاطمة.
وفي يومٍ آخر، قصد النبي ﷺ بيت ابنتِه. كانت العلاقة بينهما قمّةً في الحبّ والرحمة. دخل البيتَ فلم يجد الحسن والحسين. فسأل بلطف الأب المشفق:أين الصبيّان؟ قيل له: خرجوا مع أبيها عليّ رضي الله عنه. لم يكن في البيت طعام اليوم، فأخذهما معه حتى لا يُرى وهم يبكون جوعًا.
كانت البساطة سبيلَ فاطمة في الحياة. وكان أكثر ما يقوّيها كلماتُ أبيها ﷺ التي سكنت قلبها: طُوبَى لِمنْ هُدِيَ للإسلامِ ، وكانَ عيشُه كَفَافًا وقَنَعَ. فهؤلاء هم السعداء.
وحين كانت تخطو على دروب المشقّة، كانت وصيّة النبيّ ﷺ تتردّد في سمعها: يا فاطمة اصبري على مرارة الدنيا لنعيم الآخرة غدا. فإنّ النصر والعطاء الدائم آتيان لا محالة.
