لم يكن في البيت ذرّةُ طعام. سبعةُ أيامٍ مضتْ والحالُ على ما هي عليه. صيامٌ في النهار، فإذا أقبل المساء أفطرت على جرعة ماء. أخذ الجسد يهمس بالتعب، وسمعتْ رابعة العدوية ذلك النداء، غير أنّ وجهها لم يعرف شكوى ولا ضجرًا أمام ابتلاءات القدر القاسية.
إنّ رابعة العدوية بقيت أياماً لم تطعم شيئاً، فجاءها رجل بشيء من الطعام في إناء، فوضعته وذهبتْ لتجيء بسراج (مصباح)، فجاءت قطّة وأكلته. فقالت: الحمد لله، ثم ذهبتْ لتشرب من كوز ماء، فانكسر الكوزُ وسكب الماء. فانزعجت رابعة مِن توالي هذه المنغصات، فقالت قولتها المشهورة : يا ربّ، ماذا تريد من رابعة الضعيفة؟
فجاءها هاتف أو نداء في روعها يقول لها: يا رابعة، إن شئتِ وهبناكِ الدنيا وبهرجها، ولكنّنا نُخرج من قلبكِ همّنا أي حبنا، فإنّهما لا يجتمعان في قلب واحد. فقالت رابعة: بل همّكَ يا ربّ.
وجاءها رجلٌ يطلب منها هديةً، فمنحته شمعةً وإبرة. وقالت: في الشمعة عبرة؛ فهي تحترق حتى تفنى، غير أنّ من يحترق ليضيء للآخرين هو الرابح. وأما الإبرة فهي رمز البساطة؛ صغيرةٌ متواضعة، لكنها تكسو غيرها لباسًا. فخرج الرجل وقد ظفر بحكمةٍ عظيمة.
وعلى ضفاف الفرات، كان أحد الزهّاد قد بسط سجّادة الصلاةِ فوق سطح الماء يصلّي، وقال لرابعة: افعلي مثل هذا. فلم تُجبه، بل بسطتْ سجّادتها على الأرض وجلست عليها، ثم ارتفعت بها في الهواء فصلّت. فدهش الرجل، فقالت: علامة الرفعة ليست في إظهار الخوارق. ما فعلتَه يسير على سمكة، وما فعلتُه ليس بأعظم ممّا تقدر عليه طائرٌ!. العلمُ الحقُّ ليس من هذا القبيل.
سُئلت يوماً : كيف بلغتِ هذة المرتبة العالية في المحبة والحياة الروحية؟! فقالت: بقولي دائماً اللهم أني أعوذ بك من كُل ما يُشغلنِي عنك .... ومن كُلِ حَائِلٍ يَحُولُ بَيني وبينك. سُئلت متى يكون العبدُ راضياً عن الله تعالى؟! قالت :أذا سَرّتهُ المُصِيبة .. كما تُسِرّهُ النعمة.
