كانت مساءات مكة تفوح بذكر ذلك الشاب النبيل، وتزدان المجالس بأحاديث المديح عنه، حتى كأن نسائم الليل تحمل اسمه على الشفاه. في الأسواق والطرقات، وبين كبار القوم، إذا ذُكر اسمه تبعه همسٌ بإعجاب: "ذاك هو الصادق الأمين." وكأن مكة كلها تنبض بحبه، وتترقب مروره كما يترقب العطشان نسمة باردة في حرّ الظهيرة.
لم يكن في مكة مجلس يخلو من ذكر ذلك الشاب، ولا يمرّ يوم دون أن يروه إلا وشعر الناس بأن البهجة قد غابت. كانت الأيام في غيابه باهتة، كالنقود التي فقدت بريقها. حتى الطعام، وإن طاب، لم يكتمل طعمه بدونه. فقد جمع بين جمال الهيئة ونُبل الخُلق، يسبقه الوقار، ويزيده الحياء نورًا وهيبة.
كان التجّار يتمنّونه شريكًا أمينًا، يطمئنون إلى صدقه ويثقون بحكمته، وكانت الفتيات يحلمن به زوجًا نبيلاً، يُؤتمن على القلب والدار. كان إذا مرّ في طرقات مكة، تنشرح الصدور كأن الهواء امتلأ نورًا وطمأنينة، وتبتسم الوجوه دون سببٍ سوى مروره.
لكن... في زاوية هادئة من مكة، كان قلبٌ واحد يخفق بوجعٍ صامت، بينما تغمر القلوب أفراح المحبة والبهجة. لقد أثقله القلق كلما سُمع اسمٌ عزيز على روحه... إنه أبو طالب، عمّ النبي صلى الله عليه وسلم.
كان قلق أبي طالب نابعًا من قلبٍ عطوف، امتلأ حبًا وشفقة لفتى لم يكن له مجرّد ابن أخ، بل كان له كالروح. احتضنه صغيرًا، ورعاه كما تُظلّ الشجرة غصنها الناشئ، يخاف عليه من لفحات الحياة وقيظ الحاجة.
حلّت سنوات القحط على مكة كضيفٍ ثقيلٍ أرهق البيوت وقلوب أهلها، فشعر أبو طالب وكأن الدنيا تُوصد أبوابها في وجه أحبّ الخلق إليه. وبينما كانت قوافل التجارة تشقّ طريقها نحو الشام حاملة الأمل والرزق، خطرت له فكرة أن يُلحق محمداً بإحداها، لا رغبةً في مال ولا حرصًا على ربح، بل رجاء أن يفتح الله له بابًا من الطمأنينة والكفاية، ويهيّئ له من أمره رشدًا.
فتح أبو طالب قلبه للفتى الأمين محمد صلى الله عليه وسلم، وجلس إليه حديثَ الأب المشفق، يفيض وجهه حنانًا وتثقل كلماته بالرجاء، فقال له بلطف: "يا بُني، ما خفي عليك حالنا، وقد ضاق بنا العيش حتى لم نعد نملك إلا الصبر. والتجار من أهل مكة يشدّون الرحال إلى الشام، يطلبون الرزق، ويبحثون عمّن يُؤتمن على بضائعهم من أهل الصدق والأمانة. وخديجة بنت خويلد، من أشرف نساء قريش وأكثرهن مالًا، تُوكّل في تجارتها من تثق بهم، وقد سمعتُ أنها تُكنّ لك التقدير، وتعلم صدقك وأمانتك. لو طلبنا منها أن تعهد إليك ببضائعها، ما ظنّي إلا أنها سترحب به. ولستُ أرغب في فراقك، لكن الواقع يدفعني، وما أتمناه إلا أن ترى في سفرك هذا بابًا من الخير."
تلقّى محمد صلى الله عليه وسلم حديث عمه بصدر رحب، واستمع إليه بتوقير، ثم أجاب بكلمات هادئة: "إن كانت ترغب في ذلك، فلتبعث إليّ رسولًا يُفاتحني بالأمر. أنا على استعداد لأن أكون وكيلًا لها في تجارتها."
خديجة رضي الله عنها، ابنة خُويلد بن أسد وفاطمة بنت زيد، زهرةٌ نبتت في بيت من أكرم بيوتات قريش وأشرفها نسبًا ومقامًا، نشأت في ظلال المجد والعفّة حتى غدت رمزًا للثراء والشرف، وإذا لُقّبت بـ"ملكة مكة"، فلم يكن ذلك من قبيل المبالغة أو التزيين اللفظي، بل وصفٌ صادق لما امتازت به من مال وفطنة وسمعة طيّبة. أحبّها الناس لكرمها وسعيها في قضاء حوائجهم، كانت تواسي الضعيف، وتكفل اليتيم، وتُفرّج الكرب، حتى أصبحت ملاذًا للناس ومأوى للفقراء. بدأت تجارتها مع والدها، ثم تولّتها بعد وفاته بثقة واقتدار، فأصبحت من أنجح تجّار مكة، تُدير قوافلها بذكاء.
بلغ خديجة رضي الله عنها خبر رغبة أبي طالب في أن يتولى محمد صلى الله عليه وسلم قيادة قافلتها إلى الشام، فغمرها الفرح، وكأن البشارة التي طالما تمنّتها جاءت تُزفّ إليها.
يا لها من لحظة! أن يُمثّلها الأمين في تجارتها، ذاك الفتى الذي لم تعرف مكة أصدق منه قولًا، ولا أوفى عهدًا، فبادرت بإرسال رسول إلى أبي طالب تقول فيه: "لم أتوقع أن محمّدًا سيقود تجارتي، لكنّها نعمة ثمينة لا تُقدّر بثمن".
غمر السرور قلب أبي طالب، وشعر بأنّ يده قد وضعت على طريق الأمل.
قالت خديجة رضي الله عنها للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بكلمات ملؤها الثقة والتقدير:
"إني أعلم جيدًا صدقك وأمانتك، وما تتحلّى به من مكارم الأخلاق، فإن رضيت أن تتولى قيادة قافلتي إلى الشام، فلك أجر مضاعف، أضعاف ما أُعطيه لغيرك، فأنت خير من يُؤتمن على المال والرحلة."
فوافقها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رُفعت التفاصيل إلى أبي طالب، فسرّ سرورًا عظيمًا، واطمأن قلبه لهذا التوفيق المبارك.
قال له عمه وقلبه يغمره الحنان:
"يا بني، إنها فرصة كريمة ورزق طيب، فامضِ على بركة الله."
ورغم ما أظهره من رضا، كان القلق يسكن قلبه، يخشى أن يصيب ولده الحبيب مكروه في أرض بعيدة، لكن ضيق الحال لم يترك له خيارًا،
ابتهجت السيدة خديجة رضي الله عنها سرورًا عظيمًا، فقد اختصّها الله برجل نادر في زمانه، طاهر السيرة، صادق الحديث، أمين السريرة، وهو ما يحلم به كل تاجر يبحث عن من يُؤتمن على ماله. وقد بلغها من الناس أخبار عجيبة عنه.
استدعت خديجة رضي الله عنها خادمها، ميسرة. وقالت له بلهجةٍ ملؤها الحرص والاهتمام:
"يا ميسرة، رافق محمدًا في رحلته هذه، وكن له عونًا وخادمًا مطيعًا. أخلص له الطاعة، ولا تدع أمرًا يفوته. راقب بعينك، ودوّن في قلبك، ثم أخبرني بكل ما تراه وتسمعه.
حتى جعل الله تعالى هذه الرحلة بداية لأمر جليل، تُفتح به أبواب الخير، وتُكتب في سطور الزمان قصة لا تُنسى.
