لم تكن سَوْدة رضي الله عنها ممّن يُشار إليهنّ بالجمال الظاهر، فتأخّر زواجُها زمنًا طويلًا، حتى أدركت أواخرَ شبابها. ثم وجدتْ سندًا حين اقترنت بسكران بن عمرو، فبدأت معه حياةً هادئة. ولمّا جاء رسول الله ﷺ بدعوة الحقّ في مكة، آمنت الأسرة، فتعرضتْ لما تعرّض له المؤمنون من أذى قريش واضطهادها.
ولشدّة ما لاقوه من التعذيب، كانت سَوْدة وزوجُها من جملة من هاجر إلى الحبشة، فواجهوا في الغربة ابتلاءات الحياة بصبرٍ ورضًا. ثم بلغهم خبرٌ بأنّ الإسلام انتشر وسهُل أمرُه وخفّ تعذيب المشركين في مكة، فعادوا إلى وطنهم. لكن سرعان ما توفّي زوجها بعد عودتهم، فانفتحت في حياتها صفحةٌ جديدة من الصبر والتسليم، وقد تجاوزت الخمسين من عمرها، ولم تعد تتوقّع زواجًا بعد ذلك.
وذات يوم بلغها نبأ لم تكَد تصدّقه؛ فقد جاءت خَوْلة بنت حكيم، زوج عثمان بن مظعون، تقول:
أُرسلتُ إليكِ أسألك: هل تقبلين الزواج من رسول الله ﷺ؟ فاغرورقت عيناها بالدموع، شاكرةً فضل الله، مستشعرةً سموَّ خُلُق النبي ﷺ، وأنّها تُكرَم بالانتساب إلى بيت النبوّة.
وهي أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة ، ولم يتزوج معها صلى الله عليه وسلم نحواً من ثلاث سنين أو أكثر ، حتى دخل بعائشة رضي الله عنها.، تقديرًا لما عُرف عنها من صبرٍ وثباتٍ في سبيل الإسلام.
وقد استقبلت مكة الخبر بدهشةٍ عظيمة، ولم يُصدّقه كثيرون؛ إذ تساءلوا مستغربين: أيَتزوّج امرأةً تجاوزت شبابها وليست ذات جمالٍ يُذكر؟ لكن حكمة النبي ﷺ كانت أسمى من تلك المقاييس.
وقد نجحت سَوْدة رضي الله عنها في رعاية رسول الله ﷺ وخدمة بيته، فاهتمّت بشؤون الأطفال، وتولّت تدبير المنزل، وبثّت في قلبه السكينة والأنس. وكانت كريمةً سخية؛ إذ لما عاد المسلمون من خيبر وقُسّم التمر والقمح، أنفقت نصيبها على الفقراء، ولم تُبقِ لنفسها إلا القليل. وكان ما يفضل عن حاجتها اليومية تُسارع إلى توزيعه على المحتاجين.
كانت سودة بنت زمعة ممَّن اتَّصفت بالكرم والسَّخاء والإكثار من الصَّدقة، فقد روت عائشة -رضي الله عنها: (أنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قُلْنَ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَيُّنَا أَسْرَعُ بكَ لُحُوقًا؟ قالَ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا، فأخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أنَّما كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا به وكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ)، ففي خيبر لمَّا أخذت قسمتها من الفيء قامت بتوزيعه كاملاً دون أن تأخذ منه شيئاً، وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في خلافته يرسل لأمهات المؤمنين من الدَّراهم، فلمَّا أرسل لها أمرت بخادمتها أن تقوم بتوزيع ما فيها على الفقراء والمساكين.وبعد وفاة النبي ﷺ عاشت حياةً زاهدةً متحرّيةً، مثالًا يُحتذى لسائر النساء، ولما حجّت نساء النبي صلى الله عليه وسلم في عهد عمر لم تحجّ معهم ، وقالت : قد حججت واعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنا أقعد في بيتي كما أمرني الله ، وظلّت كذلك حتى توفيت في شوال سنة أربع وخمسين بالمدينة ، في خلافة معاوية بن أبي سفيان . ولمّا رحلت عن الدنيا، لم تترك وراءها مالًا يُذكر، بل تركت سيرةً مضيئةً يخلّدها التاريخ.
