ما أهنأ تلك الحياةَ التي كانت تنعم بها! فأن تكونَ زوجةً لسيّدٍ من سادة القوم ليس بالأمر الهيّن؛ أيّامُها ولياليها تمضي بلا نقصٍ ولا عوز. غيرَ أنّ زوجها كان رجلاً زاهدًا تقيًّا، يبذل ما في يده كلَّه بسخاء، حتّى آل الحالُ بالأسرة إلى مشارف الفاقة.
ومع ذلك لم يكن في قلب ربّة البيت - أُمِّ رُومان - أدنى شكوى. بل كانتْ ترى في كرَم زوجِها الحبيب أبي بكرٍ سرورًا ورفعة، فتهيّأتْ بثباتٍ لاستقبال زمن الشدّة الذي استدعته يد العطاء.
وكان من أعظمِ ما عُرف به أبو بكر، صاحب رسول الله ﷺ وأوّل من تولّى قيادة الأمّة مِن بعده، سعيُه إلى تحرير العبيد؛ إذ كان يقصد مواطن تعذيبهم، ويدفع الأثمانَ ليُعتقهم، حتى افتقر بسبب ذلك، وخلا مطبخ أمّ رومان من الوفرة. ومع ذلك لم تعترض زوجتُه، ولم تُبدِ تبرّمًا، بل غرستْ في أبنائها معاني الصبر والرضا.
غير أنّ قريشًا أخذت تطارد المؤمنينَ بدين الإسلام، فاشتدّ الأذى، وتجدّد الخطر مع كلّ مساء. وكانت أمّ رومان تتطلّع إلى إذن الهجرة، تنتظر وعد الله بالصبر واليقين.
وكانت تسأل زوجها كلّما عاد من عند رسول الله ﷺ: هل أُذِنَ بالهجرة؟ شوقًا إلى أرضٍ يُعبد الله فيها بأمنٍ وسكينة. فإذا جاءها الجواب بأن الوقتَ لم يحن بعدُ، استسلمتْ للانتظار الجميل.
حتى جاء يومٌ دخل فيه رسول الله ﷺ بيتَهم، وأمر أبا بكر بإعداد الزاد والراحلتين لرحلةٍ قريبة. وكان المسافر رسول الله وصاحبُه، فبقيت هي في مكّة بين تهديدات قريش. غير أنّ ثقتَها بربّها ملأت قلبها طمأنينة.
ولمّا بلغ قريشًا خبرُ وصول النبيّ صلى الله عليه وسلم وصاحبه إلى المدينة، صبّوا غضبَهم على أهليهم؛ سبابٌ وتهديد، وكاد الأذى يبلغ الضرب. لكنّها ضمّت أبناءها بشجاعة، حافظةً حُلم الوصول إلى المدينة. ثم خرجت بعد ذلك مع أهل بيت النبي ﷺ حتى بلغت مأمنها.
وفي السنة السادسة للهجرة، ودّعت هذه المرأة الصالحة الدنيا. ونزل رسول الله ﷺ قبرها بيده، ثم رفع يديه داعيًا: اللهم إنّك تعلم ما لقيتْ أمّ رومان في سبيلك وفي سبيل رسولك فاغفر لها. فشهدت المدينة دعاءه لها. هكذا كانت حياتها - صبرًا وتضحيةً وإيمانًا- طريقَ امرأةٍ إلى الجنّة..
