كانت أمُّ أيمن - بركة بنت ثعلبة الحبشية - الحاضنةَ التي رعَتْ رسولَ الله ﷺ في طفولته، ومولاة رسول الله ﷺ ، وأضحت بعد زوجا لحبّ النبي ﷺ زيد بن حارثة ، وأماً للشهيد أيمن بن عبيد الخزرجي. ورثها النبي ﷺ من أبيه ثم أعتقها عندما تزوج بخديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، وهي صحابية مباركة ، وقد عرفت أم أيمن النبي ﷺ طفلاً صغيراً ، ونبياً مرسلاً ، وعاشت مراحل النبوة كلها ، وعاصرت الأحداث الإسلامية ، وكانت من المهاجرات الأول- رضي الله عنها.
وقد ظلّ يعاملها طوال حياته معاملة الأمّ الحقيقية، وفاءً وبرًّا. ولم يكن النبيُّ ﷺ يمزح لها إلا بالصدق، وكان يلاطفها بالكلمة الصادقة الظريفة.
فقد رُوي أنّها قالت له مرّةً قبل سفرٍ إلى المدينة :يا رسول الله، احملني على دابّة. وكان مرادُها أن يهيّئ لها مركبًا للسفر. فقال ﷺ مازحًا: بل نحملك على ولدِ ناقة. فظنّتْ أنّه يقصد صغيرًا لا يقوِى على حملها، فقالت معاتبةً: إنه لا يطيقني! وهي لا تدرك لطيفة المزاح؛ إذ كلُّ بعيرٍ - مهما بلغ - هو في الأصل ولدُ ناقة. فتبسّم النبي ﷺ وقال: والله لا أحملك إلا على ولد ناقة.
وكانت بركة رضي الله عنها أرملةً، فاختار لها رسول الله ﷺ زوجًا كريمًا. فقد قال يومًا:
من سرَّه أن يتزوّج امرأةً من أهل الجنّة فليتزوّج أمَّ أيمن. فاستجاب لهذا الفضل زيدُ بن حارثة رضي الله عنه، فتزوّجها.
وكان يقع منها أحيانًا شيءٌ من اللحن في النطق بالعربية، فربّما قالت بدل «السلام عليكم»: «لا سلام عليكم». فطيّب النبي ﷺ خاطرها، وقال لها برفق: يا أمّاه، قولي: السَّلام.
وكانت بركة من أصلٍ حبشي، ونشأت في أرض الحبشة، وقد نالت شرف حضانة النبيّ ﷺ وخدمته صغيرًا، وشب النبي ﷺ وهو يقدّر أم أيمن ويكرمها ، لأنها كانت رضي الله عنها تقوم على أموره وشؤونه ، وترعاه رعاية حسنة ، فلما تزوج الرسول ﷺ خديجة رضي الله عنها أعتق أم أيمن فتزوجها عبيد بن زيد الخزرجي ، فولدت له أيمن ، وأيمن هذا صاحب هجرة وجهاد ، قتل يوم حنين رضي الله عنه . ولمّا بُعث النبي ﷺ بالرسالة كانت من السابقات إلى الإيمان، غير أنّ زوجها لم يُسلم، فافترقا؛ إذ آثرت التمسّك بالحقّ على البقاء مع من أنكره.
وشاركت رضي الله عنها في عددٍ من الغزوات، تخدم الجرحى وتسقي المقاتلين، وفي سرية مؤتة قتل زيد بن حارثة رضي الله عنه فتلقت أم أيمن نبأ استشهاد زوجها وهي صابرة محتسبة ، ثم تأتي غزوة حنين ويقتل فيها ابنها أيمن ، فتصبر وتحتسب ابنها عند الله تعالى ابتغاء مرضاته ومرضاة رسوله ﷺ .
وقد روي عن أنس رضي الله عنه قال : قال أبو بكر رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر : انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهينا إليها بكت ، فقالا لها : ما يبكيك ؟ ما عند الله خير لرسوله . فقالت : ما أبكي لأني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء ، فهيجتهما على البكاء .
وتقديرًا لتضحياتها، كان رسول الله ﷺ يخصّها بالعطاء والإكرام. ظلّت أمّ أيمن مثالًا للوفاء والتضحية، ومقامُها في بيت النبوّة شاهدٌ على منزلة الأمّ الحاضنة في الإسلام.
