كانت أمُّ سلمة رضي الله عنها تذرف الدموع كلّما تذكّرتْ ذلك المشهد الذي انتُزع فيه زوجُها وطفلُها الصغير من بين يديها. كان ذلك يوم ودّعت مكة، مهاجرةً بدينها، فرارًا من بطش قريش، قاصدةً المدينة.
أعدّ زوجها الحبيب أبو سلمة بعيرًا للسفر، فأركبها عليه، ووضع طفلها سلمة في حِجرها، ثم أخذ يقود البعير أمامها. وما إن تحرّكوا حتى اعترضهم رجال من بني مخزوم - أهلها - وصاحوا بأبي سلمة: أما أنتَ فقد غلبتَنا بنفسك، فاذهب حيث شئتَ، ولكن هذه ابنتُنا، ولن نسمح لك أن تأخذها.
فحالوا بين الزوجين وفرّقوا بينهما. عندئذٍ أقبل رجالٌ من بني عبد الأسد قوم أبي سلمة وقالوا:
تأخذون امرأة صاحبِنا قهرًا؟ إذن لن نترك لكم الطفلَ؛ فهو منّا، ونحن أحقّ به.
وتحوّل الأمرُ إلى شدٍّ وجذبٍ على الصغير حتّى أُصيب في يده، ثم أخذوه معهم. ولم يجد أبو سلمة سبيلًا إلا متابعة الهجرة إلى المدينة، بينما بقيت أمّ سلمة وحيدة، وقد سُلب منها زوجها وولدها.
عاشت عامًا كاملًا في وحدةٍ موجعة، حتى رقّت قلوب بعض ذويها، فكلّموا قومها قائلين: لقد فرّقتم بينها وبين زوجها وولدها، أفلا تضعون حدًّا لهذه المعاناة؟ فأُذن لها أخيرًا باللحاق بزوجها، غير أنّ طفلها كان لا يزال عند بني عبد الأسد، حتى تدخّل الوسطاء وردّوه إليها.
ولمّا احتضنتْ ولدها، خشيت أن تتجدّد الأخطار، فانطلقت مسرعةً إلى المدينة. وهناك التأم شمل الأسرة، وانطفأت مرارة الفراق بعد طول معاناة.
وكان أبو سلمة من السابقين إلى الإيمان، حاضرًا في مواطن الخير والجهاد، حتى أُصيب إصابةً بالغة في أُحد، فلبث زمنًا ثم توفّاه الله. غير أنّ الله أكرم أمَّ سلمة بفضلٍ عظيم؛ إذ تزوّجها رسول الله ﷺ بعد ترمّلها، فكان ذلك عزاءً كريمًا بعد صبرٍ طويل.
