نروي هنا قصتين… قصتين من صميم التاريخ، تنبضان بالمعنى الإنساني العميق، وتكشفان عن جوهر الهداية حين تتجلّى في خُلُق ورحمة.
أما القصة الأولى، فبطلها نبيّ الله إبراهيم عليه السلام، إذ أقبل عليه يومًا رجلٌ من المجوس، عابدٌ للنار، وقد مسّه الجوع، فسأل إبراهيمَ القِرى والطعام. فقال له النبي إبراهيم عليه السلام: إن أسلمتَ أكرمتُك وضَيّفتُك. فأبى الرجلُ هذا الشرط، ومضى في طريقه منصرفًا.
عندئذٍ أوحى الله إلى خليله إبراهيم قائلًا: يا إبراهيم، تشترط عليه الإسلام لتُطعمه؟! أما أنا فقد أطعمتُه سبعين عامًا على كُفره، أفلا تطعمه أنت وجبة واحدة؟
فما كان من إبراهيم عليه السلام إلا أن انتفض قائمًا، وسعى خلف الرجل، حتى أدركه، فدعاه إلى بيته، وأكرمه غاية الإكرام، وأنزله منزلة الضيف العزيز، وأقامه عنده.
فقال الرجل متعجبًا: ما الذي غيّر رأيك بهذه السرعة؟ فأخبره إبراهيم عليه السلام بما أوحى الله إليه. فارتجف قلب الرجل دهشةً وقال: هكذا يكون لُطف ربِّكم؟! ثم قال: عرّفني بهذا الدين. فأسلم، ودخل في ملة إبراهيم عليه السلام.
وأما القصة الثانية، فهي على مثال الأولى في معناها وإن اختلفت وقائعها.
كان الإمام عبد الله بن المبارك في ساحة قتال، يواجه رجلًا من عبدة الأصنام. وحان وقتُ عبادة ذلك الرجل، فقال لابن المبارك: أمهلني قليلًا حتى أؤدي عبادتي. فأجابه ابن المبارك إلى طلبه، وتراجع عنه، فشرع الرجل في عبادته، قائمًا خاشعًا أمام وثنه.
وهنا خطرت في نفس ابن المبارك خاطرة عابرة: هذه فرصة سانحة… لو قتلتُه الآن!
وفي تلك اللحظة سمع نداءً غيبيًا يقول: وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولًا. (الإسراء: 34)، فارتعد الإمام، وسارع إلى خفض سلاحه، ووفّى بما أعطى من أمان.
فلما فرغ الرجل من عبادته، التفت متسائلًا عمّا جرى. فقصّ عليه ابن المبارك ما حدث، وما سمع. فقال الرجل مندهشًا: إلهٌ يحاسب أولياءه في شأن أعدائهم، ما أعظمه من إله! فأقبل على تعلّم الإسلام، ودخل في طريق الحق.
في هاتين القصتين يتجلّى الدين لا بوصفه سيفًا مسلولًا، بل مصباحًا هاديًا؛ لا يقتحم القلوب قهرًا، بل يفتحها نورًا ورحمة.
