هل تعرف إبراهيم بن أدهم؟
سُئل ذات يوم: هل فرحتَ في حياتك؟ فقال: نعم، مرّتين: مرّةً جاء رجل فبال عليّ، ومرّةً أخرى صفعَني على وجهي. هاتان هما اللحظتان اللتان غمرني فيهما السرور.
فلنتأمل نحن: متى كانت لحظات فرحنا الكبرى؟ وهل في أهوائنا وسلوكنا ما يحتاج إلى مراجعة؟
كان الأطفال إذا رأوا أُوَيْسَ القَرَنِيَّ رموه بالحجارة، فيقول لهم برفق: إن أبيتُم إلا الرمي، فارموني بالصغار منها، فإن أصابتني إصابةٌ كبيرة عجزتُ عن الصلاة.
ما أرقّ هذا القلب، وما أوسع هذا الصدر في التعامل حتى مع المؤذين! قد يتمنّى الإنسان أن يُسعد العالم كلَّه، لكن لا مال لديه ولا جاه. فاسمع وصية النبي ﷺ: إِنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ لِيَسَعْهُمْ منكم بَسْطُ الْوَجْهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ. أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
كم إنسانًا نلقاه في يوم واحد؟ وهل يعودون من عندنا وهم مطمئنون؟
لا يحتاج الإنسان إلى كلمات طويلة ليجرح غيره؛ نظرةٌ عابرة أو خاطرٌ قاسٍ يكفي. فحاسِب نفسك: كم قلبًا نؤلمه في اليوم؟ إنّ من امتلأ سلامًا، أفاض سلامًا على من حوله.
وأول سبيل إلى القلب المطمئنّ أن نُشخّص اضطراباتنا الداخلية ونعالجها.
سُئِل لذو النون المصريّ من أشد الناس توترًا؟ قال: أسوأهم خُلُقًا.
فدواء أوجاع الحياة في الداخل تنقية القلب.
وقد قرأ الحسن البصري قول الله تعالى: ﴿وثيابك فطهِّر﴾ وفسره بقوله: أي: حسِّن خُلُقك.
استمع إلى هذه القصة العجيبة. كان من كبار الحكماء رجل يُدعى الأحنف، عُرف بسموّ أخلاقه.
سُئل: من أين لك هذا الخلق الكريم؟
قال: من قيس بن عاصم المنقري.
قيل: وكيف كان خُلُقه؟
قال الأحنف: كان في بيته يومًا، فدخلت جارية تحمل قدرًا كبيرًا، فسقط القدر فجأة على ظهر ابنه الصغير فمات. فقال للجارية: لا تحزني، أنتِ حرّةٌ لوجه الله، ولا أطلب منك شيئًا.
وَقَالَ الفضيل: لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إليّ من أَن يصحبني عابد سيئ الخلق. وقيل: الخلق الْحَسَن احتمال المكروه بحسن المداراة.
ومن الحكم المأثورة في هذا الباب:
· سوء الخُلُق يضيّق القلب حتى لا يسع إلا صاحبه.
· حسن الخُلُق أن لا تلتفت، وأنت في الصلاة، إلى من يقف إلى جوارك.
· من سوء خلقِك وقوعُ بصرك عَلَى سُوء خلُقِ غيرك. .
صاحب الخُلُق الحسن لا يستطيع أن ينبذ أحدًا بغضًا، بل يرى في الجميع مشروعَ مودّةٍ قابلةً للهداية. يلبس دائمًا رداء الصبر، ويتنازل كلّما اقتضى المقام.
ومن أخبار معروف الكرخي: نزل يومًا إلى نهر دجلة ليتطهّر، فوضع ثوبه ومصحفَه على الشاطئ، فجاءت امرأة فأخذتهما ومضت. فلحق بها وقال: يا أختاه، أنا معروف، لا أوبّخكِ ولا ألومكِ. ألكِ زوج أو ابن يقرأ القرآن؟
قالت: لا.
قال: إذن رُدّي المصحفَ، وخذي الثوب.
وسُئل حاتم الأصم: هل يُبتلى الإنسان بأذى الناس جميعًا؟ قال: نعم، إلّا من نفسه.
