منذ أيامٍ طويلة، كان كلبٌ هائمٌ يتجوّل في القرية، صارت الأرضُ التي تطؤها قدماه مبتلّةً، وعلى جسده جراحٌ متقيّحة تختلط فيها الدماء بالصديد. من يراه ينفر عنه، فالرائحة كريهة، والذباب والحشرات تحوم فوق جروحه المفتوحة. جسده المنهك مأوى للألم والديدان، حتى إنّ النفس يضيق في صدره، فلا يكاد يقدر على شهيقٍ طويل. عطشٌ وجوعٌ أنهكا بطنه اليابس، وزاده الناس أذىً برشق الحجارة، ففتحت جراحًا جديدة. وكان إذا ركض متألّمًا، يسيل من فمه لعابٌ مقزّز يزيد المشهد قسوة.
هكذا رآه الشيخ أحمد الرفاعي صدفة. كانت بيوت القرية كلّها موصّدة الأبواب، يتجنّب الناس اقتراب الكلب، ولا أحد يلتفت إليه. قال الشيخ في نفسه: يا ربّ، أيّ ابتلاءٍ هذا؟ إنّه مِن خلقِك، وخدمتُه واجبٌ عليّ. رقّ قلب الشيخ ، ولمعَ في عينيه نورُ الرحمة حتّى سال دمعًا. حمل الكلبَ بحنان، وسار به إلى أرضٍ مقفِرة بعيدة عن الناس.
في تلك البقعة الخالية، أقام مظلّةً صغيرة بيديه، تقيه حرَّ الجوّ. أضجع الكلبَ تحتها، وبينما كان يتلوّى من الألم، شعر بدفء يدٍ رحيمة لم يعرفها من قبل. سقاه الشيخ ماءً باردًا جرعةً بعد أخرى حتّى ارتوى، ثم قدّم له الطعام، فأكله بشراهة.
بدأ الشيخ يداوي جراحه بالأعشاب، يلفّها بعناية حتى تخفّ آلامه. لم يشغله قول الناس إنّ الكلب نجس، ولا مسألة الطهارة؛ فالمشهد كان عبادةً ممزوجة بالمحبّة. شيئًا فشيئًا، عاد النور إلى عيني الكلب، وبدأ جسده يستعيد قوّته. صحيح أنّ الجراح لم تلتئم بعد، لكنّ الشفاءَ كان في طريقه. وكان الشيخ كلّ يوم يبدّل الضمادات، ويحرس الجراح من الذباب.
ومرّت الأيام. استعاد الكلب عافيته. وبعد أربعين يومًا، غسله الشيخ بماءٍ دافئ، فانحدر عنه الوسخ كلّه، وبدت صورةٌ جميلة لمخلوقٍ عاد إلى الحياة. أخذه الشيخ وعاد به إلى القرية.
وعند حدودها، سأله الناس باستغراب: لماذا عنيتَ بهذا الكلب؟ أليس نجسًا؟
ابتسم الشيخ ابتسامةً هادئة وقال: نعم، لكنّه من خَلق ربّي، وأنا أخاف ربّي.
