كان الرجل من أثرياء البلدة المعروفين، ثمّ ما لبثتِ الدنيا أن أدارت له ظهرَها فجأة. كسدت تجارتُه، وضاع ماله، ولم يبقَ في يده درهم واحد. اشتدّ الضيق، وضاقت الحال، وتألمت الأسرة كلّها. إلى متى يُحتمل هذا العناء؟ لا بدّ للحياة من قوت.
قالت الزوجة، وقد فاض بها الهمّ: لقد ولّت أيام السعة، وقد نعمنا حين كان المال حاضرًا. أما الآن، فلا مفرّ من السؤال. لكن الخجل غلّ يد ربّ الأسرة، فلم يطق الخروج ولا مدّ اليد.
وفي الجوار، كانت ثمرة الخيار ناضجة في حديقة الجيران. رآها طفلٌ صغير من أهل البيت، فأخذ يبكي بإلحاح، متشبثًا بأبيه. هزّ بكاؤه قلب الرجل، فكسر حاجز الخجل وخرج. غير أن لسانه انعقد، وعجز قلبه عن احتمال الذلّ، فلم يطاوعه على السؤال.
وفي تلك اللحظات العصيبة، سمع بدرسٍ للإمام أبي حنيفة، ذلك العالم الرحيم الذي كان لقلبه عينٌ ترى آلام الناس. قال في نفسه: لعلّي أذهب إليه. دخل مجلس الإمام، وهمّ أن يقوم فيتحدّث، لكن كبرياء النفس أعادته إلى مكانه صامتًا.
وكان الإمام أبو حنيفة فقيهًا بصيرًا بالقلوب، ففهم حال الرجل من غير كلام. ولما انصرف الرجل إلى بيته، تبعه الإمام من حيث لا يشعر، حتى عرف منزلَه ثم عاد.
انتظرت الزوجة زوجها بلهفة، لكن كلماته لم تحمل إلا خيبة أمل. وفي جوف الليل، قصد الإمام أبو حنيفة ذلك البيت، وفي يده صرّة فيها خمسة آلاف درهم. طرق الباب، ووضع الصرّة، وانصرف سريعًا دون أن يُرى.
فتحوا الباب، فإذا بهديّة مجهولة. قال الرجل متردّدًا: هل يحلّ لنا أن نأخذها؟ لكن الزوجة قالت بثقة: إنّها لنا، خذها وافتحها.
فلمّا فتح الصرّة، وجد فيها رقعة مكتوبًا عليها: الذي جاءك بهذا المال هو أبو حنيفة. هذا المال حلال لك، فهو من مالي.
هكذا كان الإمام أبو حنيفة، تواضعٌ يضيء القلب، وإحساس بالمسؤولية الاجتماعية، لا تمسّه ذرّة من كِبر، ولا تغريه منزلة ولا علم.
وذات يوم، كان الإمام يلقي درسَه، فدخل رجل وجلس في ناحية من المجلس، وبدأ يطلق السباب والشتائم القاسية. لم يقطع الإمام درسَه، ولم ينظر إليه، ولم يردّ عليه. وسكت الحاضرون إجلالًا وحكمة.
فلما انتهى الإمام، ونهض متّجهًا إلى بيته، تبعه الرجل وهو لا يزال يسبّه، حتى بلغ باب الدار. وهنا التفت الإمام إليه في هدوء وقال: يا هذا، هذا بيتي، وأنا داخل الآن. إن كان في صدرك شيء من الشتم لم تقله، فقلْه الآن ولا تُبقِ شيئًا. فلعلّك لا تجدني بعد اليوم.
وقع الكلام في قلب الرجل كالصاعقة، وانكسر قلبه تحت هذا التواضع الرقيق والحِلم القويّ، وطلب له الصفح. والعفو، فابتسم الإمام، وعفا عنه في الحال، ثم دخل بيته، وترك خلفه درسًا خالدًا في الحلم والعفو.
