حين يذكر الإنسان ربَّه، ماذا يتقدّم في قلبه؟ أهو الرجاء، أم الخوف؟ وما طبيعة الأمل الساكن في داخله؟ يقول أحد الحكماء: الرجاء هو بهجة القلب عند العودة إلى الله، وهو تطلّع إلى جلاله بعين الجمال.
ولأبي عليّ الرُّوذَباري كلمة بليغة: الخوف والرجاء جناحَا طائر؛ فإذا استويا تمّ طيرانه، وإذا اختلّ أحدهما ضعف التحليق، وإذا انعدما معًا انتهت حياته إلى الهلاك.
ويحذّر أبو عثمان المغربي قائلًا: من سار مستندًا إلى الرجاء وحدَه وقع في دروب التراخي والكسل؛ ومن امتلأ قلبه بالخوف وحده استبدّ به اليأس. ولكلٍّ من الرجاء والخوف مقامه الذي لا ينبغي تجاوزه.
ومن جميل الدعاء ما نُقل عن يحيى بن معاذ: إلهي، رجائي فيك حين أذنبُ أعظمُ من رجائي فيك حين أحسِن؛ لأنّي إذا أحسنتُ اعتمدتُ على إخلاصِي، أمّا إذا أسأتُ فلا أعتمد إلّا على عفوِك. فكيف لا تغفر لي وأنت الرحمن الرحيم!. فالخوف لا يستغني عن الرجاء، كما أنّ الرجاء لا يستغني عن الخوف.
وقد قيل إنّ العارف بالله ذو النون المصري لمّا حضرته الوفاة قال لمن حوله: لا تخافوا عليّ؛ إنّ ما يُدهشني حقًّا هو عِظمُ رحمة الله بي.
ويعلّم الصحابي الجليل أبو الدرداء الناس فيقول: إنّ جبريل أتى النبي ﷺ فقال: إنّ ربّك يقول: يا عبدي، إذا عبدتَني، ورجوتَ لقائي، ولم تُشرك بي شيئًا، غفرتُ لكَ ما كان منكَ. ولو أتيتَني بقراب الأرض خطايا، لاستقبلتُك بمثلها مغفرةً، ولا أبالي. هكذا، فإنّ المؤمن الذي يعيش قلبه بين الخوف، ويزرع فيه بذور الرجاء، يجد في هذه المعاني سكينةً لا يُستهان بها، وأنسًا يخفّف وطأة الطريق.
وكما أن الخوف يقع في مستقبل الزمان فكذلك الرجاء يحصل لما يؤمل في الاستقبال وبالرجاء عيش القلوب واستقلالها. والفرق بين الرجاء وبين التمني أن التمني يورث صاحبه الكسل ولا يسلك طريق الجهد والجد وبعكسه صاحب الرجاء فالرجاء محمود والتمني معلول وتكلموا في الجراء فقال شاه الكرماني: علامة الرجاء حسن الطاعة .
وقال ابن خبيق الرجاء ثلاثة: رجل عمل حسنة فهو يرجو قبولها ورجل عمل سيئة ثم تاب فهو يرجو المغفرة والثالث الرجل الكاذب يتمادى في الذنوب ويقول أرجو المغفرة ومن عرف نفسه بالإساءة ينبغي أن يكون خوفه غالبا على رجائه.
