وقدم علي الأستاذ أبي علي الدقاق فقير، وعليه مسحٌ وقلنسوة مسحٍ فسأله بعض أصحابه على وجه المطايبة : بكم اشتريتَ هذا المسح ؟ فقال: اشتريتُه بالدنيا كلّها وطلب منّى بالآخرة فلم أبعه.
إن النفس المأسورة بالشهوات، الخائفة من الفقر، نفسٌ بالغةُ الخطر. قال أبو الدرداء رضي الله عنه: لأن أسقط من أعلى حصنٍ فأتمزّق إربًا، أحبُّ إليَّ من أن أجالس الأغنياء. وقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: إيّاكم ومجالسة الموتى. فقيل: ومن الموتى يا رسول الله؟ قال: الأغنياء.
ولـ بنّان المصري رحمه الله حكاية بديعة. كان بمكة، وبين يديه شابّ. فجاء رجلٌ يحمل كيسًا مملوءًا بالمال، فوضعه بين يدي الشاب. فقال الشاب: لا حاجة لي به. قال الرجل: فاصرفه إلى الفقراء.
وفي المساء رأى بنّان المصري ذلك الشاب يسأل الناس. فقال له: أما كان خيرًا لك أن تأخُذ من ذلك الكيس شيئًا لحاجتك؟ فقال الشاب: ما كنتُ أظنّ أنّي أعيش إلى هذه الساعة.
الاستغناء خُلُقُ الأخيار، لا يطمعون في شيء من الدنيا، وكلّ ما يأتيهم يجعلونه نصيبًا للفقراء.
ونذكر أربعة أشخاص كانوا أمثلةً في هذا الباب، من أهل زمان أبي علي الروذباري رحمه الله:
الأول: يوسف بن أسباط رحمه الله. لم يكن يقبل شيئًا من إخوته ولا من السلاطين. أعطاه أخوه مرةً سبعين ألف درهم من الميراث، فلم يقبل منها درهمًا واحدًا. وكان يعيش من عمل يده، ينسج الحُصُر من السَّعَف.
الثاني: أبو إسحاق الفزاري رحمه الله، وكان على خلافه؛ يقبل من أهله ومن السلطان. فما جاءه من إخوته جعلَه للفقراء الذين يكتمون فقرهم، وما جاءه ِمن السلطان صرفَه في فقراء طَرَسوس ومستحقِّيها.
الثالث: عبد الله بن المبارك رحمه الله. كان يقبل من إخوته، ولا يقبل من السلاطين.وإذا وصله شيء، أخرج من ماله مثلَه، وجعل كلاهما جميعا صدقةً للفقراء.
الرابع: مخلد بن الحسين رحمه الله. كان يقبل عطايا السلطان، ولا يقبل من الإخوان. وكان يقول: الهدايا من الإخوان تُورِث المِنّة، وأمّا السلطان فلا منّة له عليّ.
والسائرون في طريق الفقر والاستغناء يحتاجون إلى أربعة أصول:علمٍ يهديهم، وزهدٍ يكفّهم، وعزمٍ يُقيمهم، وذِكرٍ يُقرّبهم من الله. فطوبى لمن لبس ثوب المسح، وأخرج الشهوات من قلبه، واختار فقرًا يُغنيه، وزهدًا يُوصله، وقلبًا لا يسكنه إلّا الله.
