دعا أبٌ ابنيه يومًا وقال لهما: اليوم تكتمل مرحلة تعليمكما، وقد عزمتُ أن أُجري لكما اختبارًا أتبيّن به ثمرة ما تعلّمتماه.
وافق الابنان. فقسّم لهما غرفتين من البيت، وقال: أمنحُكما أسبوعًا من الزمن، وأضع بين أيديكما ما تحتاجانِه من المال. المطلوب أن تملأ كلٌّ منكما الغرفةَ التي خُصّصت له، دون أن تترك فيها فراغًا ولو يسيرًا، وبما تشاء من الأشياء. فكّرا جيّدًا قبل أن تبدأ.
كانت مسابقة غريبة، لكنّها في ظاهرها يسيرة. أخذ الابنان يفكّران. المالُ متوافر، نعم، غيرَ أنّ الفوز بأقلّ كلفة هو الأحسن. هكذا فكّر الابن الأوّل. مضى إلى السوق، واشترى أرخص ما وجد من نفايات ومخلّفات، وشرع يملأ بها الغرفة. وما هي إلا أيّام حتى عمّ المكانَ نتنٌ شديدٌ، فصار الناس يتحاشون الاقتراب، وانصرف عنه الأصدقاء.
أما الابن الثاني، فظلّ يفكر طويلًا: كيف أملأ الغرفة على الوجه الأكمل؟ وجاء اليوم الذي حدّده الأب. قصد غرفة الابن الأوّل، فما إن اقترب حتّى ارتدّ دون أن يدخلَ؛ إذ لا يُطاق ما فيها من رائحة كريهة. ثم توجّه إلى الغرفة الثانية. فوجدها مظلِمة، خالية في ظاهرها، والابن واقف في وسطها. فلمّا شعر بقدوم أبيه، أشعلَ شمعة كانت بيده، فإذا بالنّور يفيض في أرجاء الغرفة كلّها.
والقلب كهذه الغرفة، وأن تملأ ما بين جوانحك بما هو طاهر، نقيّ، زكيّ الرائحة، فذلك أمرٌ عظيم. قلبٌ معطّر هو حُلم الجميع: قلب صافٍ لا كدر فيه، مفتوح للناس، متين البنيان من الداخل.
ولكن كيف يُنال ذلك؟ ومن المهمّ أن تبدأ الحياة بهذا الطلب، وأن تبذل له جهدًا صادقًا.
قال أحد الحكماء: يفسد الناسُ بثلاثة أشياء: ضُعف في الطبع، والتعلّقُ بالعادات، وسوءُ الصحبة.
فقيل له: وما ضعف الطبع؟
قال: استعمال ما حُرِّم.
قيل: وما التعلّقُ بالعادات؟
قال: الإدمان على النظر إلى المحرّمات، وتتبّعها، والخوض في الأباطيل.
قيل: وما سوءُ الصحبة؟
قال: الانسياق وراء إغراءات الناس، والسير خلف أهوائهم.
ولكي يكون القلب معطّرًا، كان لأبي عثمان الحِيري وأصحابه عادات وسجايا. من أعظمها سخاؤهم في العطاء؛ فما نالَهم شيء من مال أو متاع إلا بادروا إلى بذله للناس، ولم يكونوا ينامون حتى يفرغوا ممّا في أيديهم. ولم يعرفوا الانتقامَ ممّن أساء إليهم، بل كانوا يعفُون، ويقابلون الإساءةَ بالتواضع والحِلم. ومن جميل خُلُقهم أنّهم إذا وجدوا في نفوسهم كراهيةً لأحد، سارعوا إلى خدمتِه، ولا يزالون يحسنون إليه حتّى تزول تلك الكراهية.
ولكي يصفو القلب كصفاء البِلّوْر، لا بدّ من محاسبة النفس. فمَن شغل نفسَه بعدّ محاسنه، والتغنّي بفضائله، عجز عن رؤية عيوبِه. وهذا من وصايا أبي عثمان رحمه الله.
ونختم بحكاية قصيرة من أخبار السالكين:
خرج رجل إلى الصحراء، فاحتمل المشاقّ، واجتاز ابتلاءات عظيمة. ثم عاد إلى مكّة، وقد امتلأ قلبه إعجابًا بنفسه، يحدّثها بما صبر، وبما قدّم من تضحيات. فكان لا بدّ أن يَلقَى من يوقظ هذا القلب الفاسد، فالتقى امرأةً عجوزًا، فقالت له: حين كنتَ في الصحراء تمرّ بالاختبارات، كنتُ أنا هناك كذلك، غيرَ أنّي آثرتُ ألا أشغلك. واعلم أنّ الإعجاب بما بذلتَ من تضحيات مرضٌ خفيّ، فبادر إلى اقتلاعه من قلبك.
