كان لأمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها تساؤل، فسألت به رسولَ الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، قوله تعالى: ﴿والذين يؤتون ما آتَوا وقلوبُهم وجِلةٌ أنّهم إلى ربّهم راجعون﴾ أهو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر؟ قال: لا، ولكن الرجل يصوم ويصلّي ويتصدّق ويخاف أن لا يقبل منه . فالخوف ضرورةٌ من ضرورات الإيمان.
وسُئل ذو النون المصري رحمه الله: كيف يدخل الخوفُ إلى القلب؟ فقال: بأن يرى العبدُ نفسَه في حال مرضٍ، ويخشى طول العلّة، فيترك ما بيده كلَّه.
ويُعرّف بِشر الحافي الخوفَ الذي يسكن قلوب الخائفين بقوله: الخوفُ ملِكٌ لا يسكن إلّا في القلب.
وجاء رجل إلى الفضيل بن عياض رحمه الله يشكو همًّا، فقال: لا أجد أهل الخوف، فقال له: لو كان فيك خوف، لرأيتَ أهل الخوف. إنّما يلتقي الخائفون بالخائفين؛ كما لا تميل المرأة التي لا ولدَ لها إلّا إلى مثيلاتها.
وجاء رجل إلى الفضيل بن عياض رحمه الله يشكو همًّا، فقال: مالنا لا نرى خائفا؟ فقال: لو كنتم خائفين لرأيتم الخائفينَ، إن الخائف لا يراه إلا الخائفون، وإنّ الثكلى هي التي تحبّ أن ترى الثكلي.. وقال شاه الكرماني: علامة الخوف الحزن الدائم، وقال أبو القاسم الحكيم: من خاف من شيء هرب منه ومن خاف من الله عز وجل هرب إليه.
وقال أبو حفص رحمه الله: العبد يبتعد عن عتبة مولاه، وذلك خطر. فالربّ الرحيم يدعو من تجرّأ فابتعد، والخوف هو السياط التي تُقوّم المعوجّ. هو سراج القلب؛ وبنوره تُرى حسنات النفس وسيئاتها.
ويُقال للخوف في العربية: رَهَب، ومن مادّته هَرَب، أي: الفرار. فالخائف في الحقيقة هارب، غير أنّ هُروبه إنّما هو انجذابٌ إلى مراده الحقّ، كما يفرّ الزاهدُ من شهواته. ومتى استقرّ الخوف صار عِلمًا،ثم يصير هذا العِلم زمامًا يقود الحياة.
وقال يحيى بن معاذ رحمه الله بحرقة نفسه: وقال يحيي بن معاذ: مسكينٌ ابنُ آدم، لو خاف من النّار كما يخاف من الفقر لدخل الجنّة.
وأهل الخوف هم أهل نظرٍ في العواقب، وهو في قلقٍ دائما؛ هل يقع المكروه؟ هل يفوت المحبوب؟ فلذلك يحتاجون إلى عِلمٍ بالمآل.
ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا. وجاء في كلمة جامعة:
حقيقة الخوف: اجتناب الذنوب ظاهرًا وباطنًا.
وقال أبو سليمان رحمه الله: القلب الذي لا خوف فيه قلبٌ خَرِب. ثم قال: لا ينبغي أن يملك القلبَ غيرُ الخوف؛
فإن غلب عليه الرجاء فسد. ثم أوصى تلميذه قائلًا: بالخوف يكون الارتقاء، ومن استهان بالخوف سقط.
