ظلّ نهمُه إلى العلم متّقدًا لا يخبو حتّى بلغ الأربعين من عمره، ثمّ كان الزواج. فجاءه صفاءُ المعرفة نورًا انعكس سكينةً ورضًا في حياةٍ زوجيةٍ هي من أسعد ما يكون.
كان اسم رفيقة دربِ هذا العالِم «عبَاسة». عاشا حياةً بسيطةً على أطراف المدينة المنوّرة، ورُزقا ولدًا صالحًا سمّياه «صالحًا»، ثلاثون عامًا عاشاها معًا في مودّةٍ ووئام، ثم رحلت الزوجة الصالحة عباسة إلى رحمة الله.
وكان هذا العالم الجليل يحدّث الناس عن شريكة حياته قائلاً: عاشت معي أمُّ صالح ثلاثين سنة، لا أذكر أنّ خلافًا وقع بيني وبينها، ولا أنّ كلمةً واحدةً نال فيها أحدُنا من الآخر.
ثم تزوّج بعد ذلك من قريبةٍ له تُدعى «ريحانة»، وكانت لا تُبصر إلا بعينٍ واحدة، غير أنّ ذلك لم يُلقِ بظلاله على حياتهما، ولم ينشأ بينهما أدنى نزاع، ولا خلاف في قولٍ أو فعل.
وبعد أيامٍ من الزواج، سألت ريحانة زوجَها برفق: هل ترى في شؤوني ما يُثقل عليك؟ أو هل يصدر منّي ما لا تحبّه؟
قال: لا شيء البتّة، غير أنّني لا أرتاح إلى هذا الحذاء؛ فليس على مثال ما كان في زمن النبي ﷺ. وكان حذاءً جديدًا فيه شيءٌ من الترف. فما كان من ريحانة إلّا أن أسرعت فباعته، واشترت حذاءً بسيطًا على الهيئة القديمة.
وكان صاحب هذه السيرة العطرة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. وكان الإمام شديدَ الرحمة بالأطفال، محبًّا لهم. فقد زاره يومًا خطّاب بن بشر، فوجده منشغلًا بالبحث عن طفلٍ خرج من البيت. وكان من عادته أن يجمع صبيان الدار، فيجلسهم، ويعلّمهم.
ويروي زهير حفيد الإمام أحمد بن حنبل فيقول: كنّا نزور جدّنا كلَّ أسبوع، فيعطينا لكلِّ واحدٍ منّا قِطعتين من الحلوى. وكان لي أخٌ صغير، فلمّا أراد والدي أن يُجري له الختان، أقام لذلك مجلسًا. فنبّه جدّي أبي قائلاً: بلغني أنك أعددتَّ وليمةً كبيرة، وذلك حسن، وعلمتُ أنّك دعوتَ وُجهاء الناس. غير أنّ الإسراف لا يليق، وليكن الفقراء والضعفاء أوّلَ من يُقدَّم لهم الطعام، وخصّهم بعنايةٍ أكبر.
وانقضى ذلك اليوم في فرحٍ وسرور. ثم أخذ الإمام أحمد بن حنبل كيسين صغيرين؛ أعطى أحدهما للحلّاق الذي تولّى الختان، وناول الآخر للصبيّ هديةً، وكان مليئًا بالنقود.
ويروى كذلك أنّ الخليفة المتوكل أرسل إلى الإمام مالًا كثيرًا، فما كان منه إلا أن وزّعه كلَّه في ساعته على المحتاجين، ولم يُبقِ منه شيئًا لنفسه.
