كان الشيخ الصوفي المعروف تينُو مُسلِيار عائدًا من السوق، فوضع كيسَه عند أصل شجرةٍ ليستريح قليلًا. ولمّا بلغ بيتَه وفتح الكيسَ، وجدَه ممتلئًا بالنّمل؛ لا شكّ أنّه صعد من عندِ جذع الشجرة. فحزن الشيخُ وقال في نفسه: لعلّ أمّهات وآباء وإخوت هؤلاء النمل ما زالوا هناك ينتظرونها، وهؤلاء هنا قلقون لا يدرون ما حلّ بهم. فلم يتردّد، وعاد بالكيس إلى جذع الشجرة، وردّ النمل إلى موضعها.
هناك كثيرون ممّن ذاقوا حلاوة الحياة الدقيقة، ترى حولك أناسًا لا تشبه نظراتُهم نظراتِ العامّة، ولا أفعالُهم أفعالَ المألوفين. قد يبدو بعضُ تصرُّفهم غريبًا في الظاهر، لكن ما الذي رفعهم إلى هذا المقام؟ فالجواب: البصيرة.
وتُسمّى البصيرة في العربية الفِراسة، وهي متصلة بكلمة فريسة. وهل للفريسة قدرة على مقاومة السبع إذا وقعت في مرمى نظره؟ كذلك النفس لا تستطيع مقاومة البصيرة العميقة إذا واجهتها.
قال الصوفي الجليل الحسين بن منصور: المتفرس هو المصيب بأول مرماه إلى مقصده ، ولا يعرج على تأويل وظن وحسبان.
وانظر إلى تجربة الإمام الكبير في علم القلوب أبي سعيد الخَرّاز، إذ قال: دخلتُ المسجد الحرام، فرأيت درويشًا لا يلبَس إلا ثوبين، يسأل الناسَ. فخطر ببالي أنّ أمثالَه ثِقلٌ على الخلق. فنظر إليّ وقال: احذر، فإنّ الله يعلم ما في قلبك. فبادرتُ بالتوبة في سرّي. فقال: الله هو الذي يقبل توبة عبده.
ثمرة الإيمان والحياة الدقيقة هي نور البصيرة. ومن أُوتي هذا النور أثّر فيمن حوله، وكان للناس ضياءً في دروبهم.
وسيّد أهل البصيرة هو الخليفة الثالث عثمان بن عفّان رضي الله عنه. خرج رجلٌ يريد لقاءه، فرأى في الطريق امرأة جميلة، فأطال النظر إليها، ثم مضى حتّى دخل على عثمان. فقال الخليفة للحاضرين: إنّ أحدكم دخل علينا، وفي عينيه آثارُ الزنا. فقال الرجل مدهوشًا: أبعد رسول الله ﷺ وحيٌ؟ قال عثمان: لا، ولكن بصيرة، ونفاذ نظر، وتمييز. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: 75]. وقال بعض العارفين: المتوسّمون هم أهل البصيرة.
فكيف يُنال هذا المقام؟
يقول شاه الكِرماني-الذي لم تُخطئ له بصيرة قط-: من غضّ بصرَه عن الحرام، وكبَح شهواتِ نفسه، وداومَ على محاسبة أخطائه، وتمسّك بسُنّة النبيّ ﷺ، ولم يأكل إلا الحلال؛ رُزق بصيرةً صادقة.
والبصيرة التي تُقوِّم اتجاه الحياة لا تُنال إلا بمراقبة الداخل والخارج معًا. والعيش مع أهل البصيرة يزرع في القلب بذور العطر.
وقال أبو عبد الله الرازي النيسابوري: كساني ابن الأنباري صوفا ورأيتُ على رأس الشبلي قلنسوةً ظريفةً تليق بذلك الصوفِ فتمنّيتُ في نفسي أن يكونا جميعا لي، فلمّا قام الشبلِي من مجلسه التفت إليّ فتبعتُه وكان عادتًه إذا أراد أن أتبعَه يلتفتُ إلىَّ، فلمّا دخل دارَه دخلتُ فقال: انزع الصوفَ فنزعتُه فلفّه وطرحَ القلنسوةَ عليه ودعا بنار فأحرقهما.
