جراحُ الأشواك يداويها الزمن، أمّا جراحُ الكلمات فلا يبرئها حتى الموت. ولعلّ لهذا، كان الأخيار لا يُكثرون من الكلام، ويتّخذون الصمتَ ديدنًا لهم.
قال أحد أهل التصوف: اللسان سبعٌ ضارٍ؛ إن لم تُقيّده افترسك. وأدبُ اللسان صمتُه.
سأل رجلٌ أبا حفص: أيهما أفضل: الكلام أم الصمت؟
فقال: من عرف آفات الكلام فليصمُت، ولو استطاع فليصمُت قدرَ عُمْرِ نبيّ الله نوحٍ عليه السلام. ومن أدرك مخاطر الصمت فليتكلّم، وليدعُ الله أن يمدَّ في عمره قدر ما عاش نوحٌ عليه السلام، ليحسن الكلام.
كم من السنين احتجْنا لنتعلّم النطق! رأينا وسمعنا، وخطّأنا وصُوِّبنا، حتّى استقام لسانُنا. وكذلك الصمتُ مهارة تُتعلَّم. وجاء في الحكمة: تعلّم الصمتَ كما تعلّمتَ الكلام؛ فالكلامُ يهديك، أمّا الصمتُ فيحميك.
إذا أفرط الإنسان في الحديث أفلت لسانُه من عِقاله. ألم ترَ الناس إذا غضبوا تفوّهوا بما لا يقصدون؟ ثمّ لا يلبثون أن يندموا ندمًا شديدًا. فأيّ ثمرة جَنَوا؟
لذلك وضع العظماء طرائق لترويض النفس على الصمت. كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يضع الحَصى في فمِه ليقلّل من كلامه؛ فإذا همّ أن يقول ما لا يعلم، منعته الحصَى، فإذا اضطرّ إلى الكلام أزالها وتكلّم.
وكان أبو حمزة البغدادي، الصوفي الجليل والعالم البليغ، مشهورًا بفصاحته. فقيل له يومًا: لقد أحسنتَ الكلام وأجدتَه، فآن لك أن تتعلّم الصمتَ وتبلغ فيه الغاية، فما تكلّم بعدها حتى لقي الله.
وقد قيل إنّ الكلام كثيرًا ما يكون سهمًا ماضيًا. والإسلام لا يبيح قولًا يؤذي إنسانًا، صراحةً أو تلميحًا.
ودُعي الصوفي المحدّث إبراهيم بن أدهم يومًا إلى وليمة، فشرع بعضُ الجالسين في الغِيبة. فقال لهم: عادتنا أن نأكل الخبز أولًا ثم اللحمَ، وأنتم بدأتم باللحم! وأشار بذلك إلى معنى قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12].
الغيبة، والخوض في أعراض الناس في غيابهم، أمرٌ مألوف في المجالس، وقد انتقل اليوم إلى ساحات التواصل الاجتماعي: سخرية، وتشهير لاذعة. وقد يجد المرء في ذلك لذّةً شيطانية عابرة. لكن مقاومة هذا الميل لا تكون إلا بضبط النفس، ولغة هذا الضبط هي الصمت.
ومن اللطيف أن الله جعل للّسان- وهو أداة الكلام- حواجز كثيرة، إشارةً إلى خطورته. قال عليّ بن بُكّار رحمه الله: جعل الله لكلّ شيء بابين، وجعل للّسان أربعة أبواب: الشفتين وصفَّي الأسنان.
وخلاصة الأمر: أن نراقب داخلنا وخارجنا بالصمت أكثر مما نراقبه بالكلام. فالإنسان خُلق بلسانٍ واحد، وعينين، وأذنين؛ ليُبصرَ أكثر ممّا يقول، ويسمع أكثرّ ممّا ينطق، ويتعلّم أكثر ممّا يُفصح. هكذا يعلّمنا العلماء.
وليس الصمت للسان وحده، بل للقلب وسائر الجوارح نصيبٌ منه. قال شاعرٌ حكيم:
رأيتُ الكلامَ يَزين الفتى والصمتُ خيرٌ لِمن قد صمَت
فكم من حروف تجرّ الحُتوف ومن ناطقٍ ودّ أنْ لو سكَت
