«من بعيد يبدو الغابُ كتلةً واحدة، ومن قريبٍ يظهر كلُّ شجرٍ قائمًا وحده».
تشير هذه الكلمات إلى حقيقة الوَحدة في الوجود الإنساني. وليس حديثُنا هنا عن عزلة الهروب، ولا عن مفارقة المجتمع واعتزال الأحبة، وإنّما عن عزلة الصفاء؛ أن يكون العبدُ بين الناس ظاهرًا، ومع الله باطنًا.
سُئل الجُريري رحمه الله عن العزلة فقال: هي الدخول بين الزحام وتمنع سرَّك أن لا يزاحموك وتعزِل نفسكَ عن الآثام ويكون سرُّك مربوطا بالحقّ. حتى الملك المحفوف بالحُجّاب والحُرّاس يمكنه أن يذوق هذه العزلة والخلوة. فحياة الباطن أوسع للعبد من حياة الظاهر، وحُسن استثمار الخلوة هو إدراك معادلة السكينة.
تخيّل أنك لقيت شيخًا من شيوخ الطريق، فما النصيحة التي تطلبها منه؟ جاء رجل إلى العارف أبي بكر الورّاق رحمه الله، فلمّا همّ بالانصراف قال: «عِظني». فقال الشيخ: أمران رأيتهما خير ما في الدنيا والآخرة: الخلوة والفقر. وأمران رأيتهما شرّ ما في الدنيا والآخرة: مخالطة الناس وكثرة المال.
كان من دأب القوم أن يتخذوا الخلوة صديقًا، والجوع زادًا، والدعاء الخالص حديثًا، ليهتدوا إلى جواب الأسئلة الباطنة، ويسيروا إلى المولى عزوجلّ بخطى القلوب.
وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: انظر أنسَك بالخلوة أَوْ أنسَك مَعَهُ فِي الخلوة ، فَإِن كَانَ أنسُك بالخلوة ذهب أنسك إِذَا خرجت منها , وإن كَانَ أنسك بِهِ فِي الخلوة استوت لَك الأماكن فِي الصحارى والبراري.
جاء رجل إلى شُعيب الحَرْبي رحمه الله. فقال له: ما الذي جاء بك؟ قال: جئت لأكون معكَ. فقال: يا أخي، العبادة لا تحتاج إلى صحبة. ومن لم يأنس بالله لم يأنس بأحد.
ومن أسماء الخلوة أيضًا الاعتزال ، وليس المقصود به الاحتماءُ من أذى الناس، فذلك قد ينشأ من ظنّ التفوّق عليهم، وإنّما معناه أن تحمي الناس من أذاك. فالخلوة ثمرة تواضع لا كِبر.
قيل لرجل اتخذ الزهد سبيلًا: أنت راهب ، فقال: بل أنا حارس لكلب؛ أي أحفظ الناس منّي، صيانةً لهم.
فلا حاجة إلى مزيد من التوهّم في معنى العزلة والخلوة: فهذه الخلوة ليست هجرةً من بلد إلى بلد، وإنّما هي هجرة عن الخطأ.
اسمع وصية أبي عبد الله الدقّاق رحمه الله: البس مع الناس ما يلبسون وتناولْ ممّا يأكلون وانفرد عنهم بالسرّ. مرة، جاءه رجلٌ وقال: جئتُك من مسافة بعيدة، فقال: ليس هذا الحديث من حيث قطعِ المسافة ومقاساة الأسفار، فارِق نفسَك بخطوة وقد حصل مقصودُك.
الحكيم الحقّ هو من جمع بين القرب والبعد معًا: قريبٌ من الناس ظاهرًا، بعيدٌ عنهم باطنًا.
ويروى عن أحد الصوفية أن رجلًا سأله: هل تجد في قلبك مودّة لأحد؟ فأجاب: نعم، ومدّ يدَه إلى مصحفه ووضعه في حِجره وقال: هذا وفي معناه أنشدوا:
وكتبك حولي لا تفارق مضجعي وفيها شفاء للذي أنا كاتم.
