استدعى الخليفةُ العالِمَ الجليلَ إلى القصر، ولم يجئ إلى الخليفة ، بل انتهى الأمر بتوجُّه الخليفة بنفسه إلى العالم. ولم يكن ذلك حدثًا عابرًا، بل وراءه قصةٌ ذات دلالة حضارية عميقة، وسيرةٌ يسطع فيها نور العلم.
في المدينة المنوّرة كانت حلقةُ ذلك العالِم عامرةً بالطلّاب، ينهلون علمًا ويفتحون بالعقل والتأمل آفاقًا واسعة من الفهم. وفي إحدى الفترات، قدم الخليفة هارون الرشيد زائرًا، فأصدر أمرًا: قولوا لذلك العالِم أن يأتيني، وليقرأ عليّ من علمه ومصنّفاته. كُلِّف أحدُ خاصّته، البرمكيّ، بالمهمة. أسرع الرجل إلى العالِم، وبلّغه أمر الخليفة.
فجاءه الجواب الذي أدهشه: «العلم يؤتى، ولا يأتي». من احتاج، فليطلب. ولا ينبغي أن يكون في الأمر تعالٍ أو ترفّع.
عاد البرمكيّ مرتعدًا، ونقل الجواب إلى الخليفة. فارتفعت همهمات الاعتراض في المجلس. وقال أبو يوسف: يا أمير المؤمنين، إن بلغ هذا الخبر أهل العراق كان فيه ما يُحرِج الدولة. لا تذهب إليه! اتخذ قرارًا حاسمًا. لكن الخليفة لزم الصمت.
ومضت الأيام، حتى التقى الخليفة بالعالِم وجهًا لوجه، فسأله عن سبب عدم امتثاله للأمر. فجاء الجواب درسًا خالدًا في تعظيم العلم.
قال العالِم: روى خارجة عن أبيه زيد بن ثابت رضي الله عنهما قال: كنت أكثر من يكتب الوحي لرسول الله ﷺ. وذات يوم أملى علينا قوله تعالى: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله،
وكان عند النبيّ ﷺ الصحابيّ الأعمى عبد الله بن أمّ مكتوم، فاعترته خشية، وقال: يا رسول الله، لا أبصر، وقد ذكرتَ فضل الجهاد، فماذا لي وأنا لا أستطيع إلا القعود؟ فغشي النبي ﷺ الوحي، ثم قال: يا زيد، اكتب: غير أولي الضرر.
ثم التفت العالِم إلى الخليفة وقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الملائكة قطعت مسيرة خمسة آلاف عام ليُزاد لفظٌ واحد في آية، حفظًا للعدل وتعظيمًا للعلم. فكيف يُهان العلم أو يُستخفّ بمكانته؟ إنّما هذه المنزلة منحها الله، فلا تُنقص من قدرها. امتلأ قلب الخليفة طمأنينةً ومحبّة، وتاقت نفسه إلى حضور مجلس العلم.
وحين دخل الخليفة بيت العالِم، أجلسه في الحلقة، وقد امتلأت بالناس من عامّة المسلمين. ثم قال له: انظر، هؤلاء جاؤوا يطلبون العلم. لا يُقدَّم صاحب جاهٍ أو سلطانٍ قبل العامّة؛ فإنّ العلم إن لم يُؤخذ بتواضع، فلا نفع فيه حتى للكبار.
ولمّا بدأت الدرس، نزل الخليفة من جوار العالِم، وجلس بين الطلبة. ذلك العالِم الجليل، سيّد فقهاء المدينة، وإمام دار الهجرة،الإمام مالك بن أنس رحمه الله.
