كان يومَ فرحٍ بنيل الشهادة، غيرَ أنّ نظامَ الدين لم يكن يملك ثمنَ العَمامة. أخبر أمَّه بذلك، فطيّبتْ خاطرَه بكلماتٍ دافئة، وقالت مطمئنة: «أنا أتكفّل بها». اشترتِ القطن، وغزلته على يد خادمة، ثم خاط الجارُ الخيّاطُ العمامة.
وفي لحظة التتويج، وقف نظامُ الدين مطأطئ الرأس، لم يرفعه حياءً وتعظيمًا. فقال أستاذُه عَلِيٌّ لمن حوله: سيكون لهذا الغلام شأنٌ عظيم. انظروا كيف يقف بوقارٍ وهو يعتمر عمامته؛ ثم انظروا-لا ذرّة حريرٍ فيها!
وقد صدقت الفَراسة؛ إذ صار الطالبُ المتواضع شيخًا لبلادٍ بأسرها، ونال مقام الولاية ليدعى أهل الهند أجمع بالشيخ وليّ الله نظام الدين .
يُعَدّ الشيخ نظام الدين أبو محمد بن أحمد البداؤني الدهلوي من أبرز أعلام التصوف الإسلامي في شبه القارة الهندية، ومن كبار شيوخ الطريقة الجشتية، وأكثرهم أثرًا في الحياة الدينية والاجتماعية في دهلي خلال القرن السابع والثامن الهجريين.
اتخذ الشيخ نظام الدين من منطقة غياثبور بضواحي دهلي مقرًا له، حيث أسّس خانقاه أصبحت مقصدًا للناس من مختلف الطبقات، بل ومن مختلف الأديان. يقصدها الناس من كلّ صوب. وكانت المطابخ تعمل بلا انقطاع؛ فالشيخ صائمٌ غالبًا، أمّا القادمون-على اختلاف أديانهم وأجناسهم- فكانوا يجِدون الطعام حاضرًا. وكان أكثر المقيمين من كبار السنّ. يذكّرهم الشيخ بحفظ الأخوّة، وبالعدل بين الناس، وبإكرام الضيف دون تمييز.
ورغم وفرة التبرعات التي كانت تصله من المحبين، فإنه لم يكن يدّخر المال، بل كان يُنفقه فورًا على المحتاجين، حتى قيل إن خانقاهه لم يكن فيها مخزون دائم من الطعام..
عاصر الشيخ نظام الدين عددًا من سلاطين دهلي، منهم علاء الدين الخلجي ومحمد بن تغلق، إلا أنه اتخذ موقفًا حازمًا من السلطة، فرفض:
- زيارة القصور
- قبول العطايا الرسمية
- تولّي أي منصب سياسي أو إداري
وكان يصرّح لتلاميذه بأن القرب من السلطان يُضعف صفاء الطريق، ومن أقواله المشهورة: من اقترب من السلطان، ابتعد عن الله.
أُعجب الحاكمُ بشخصيّة ولي الله نظام الدين ، فعرض عليه قرًى يمنحها له بلا مقابل، غير أنّ الشيخ أبى إلا أن يعرض عنه. وكان يقول لتلاميذه: من أراد ميراثَ السلف الروحي، فليبتعد عن أبواب السلاطين. ووكان يقول أيضًا: لِبيتِي بَابان؛ إن دخل السلطانُ من أحدهما، خرجتُ من الآخر. هكذا كان يُنحي السلطةَ والجاه جانبًا.
لمّا رأى الحاكم التفافَ الناس حول الشيخ، داخله الخوف، وسعى بعضُ الوشاة إلى تشويه الصورة. ثم قرّر الملك تعيين نظام الدين مستشارًا للدولة. فلما بلغ الخبر الشيخ قال: نحن الدَّراويش لا شأن لنا بإدارة الحكم. نعيش بعيدًا عن صخب المدُن، ندعو للسلطان ولسائر المسلمين. فإن لم يُعجبه ذلك، انتقلنا إلى مكانٍ آخر.
وفي أواخر حياته جمع الشيخُ أهلَه وأصدقاءَه وخُدّامه، وأمر- بحسب وصيّته-أن يُتصدّق بكلّ ما في الخانقاه على الفقراء. واحتفظ بعضهم بقليلٍ من الحبوب لحاجة المقيمين، فلمّا علِم الشيخ فتح المخازن للناس جميعًا. ولما شكا بعضُهم قال مطمئنًا: قد تحمّل أحدٌ نصيبكم عنكم.
وفي أيّامه الأخيرة، وهو على فراش المرض، زاره الشيخ ركن الدين المُلتاني وقال: إنّ الله يطيل العمر لمن أرادت الأرواحُ الصالحة أن يبقى قليلًا ليخدم الناس. ففاضت عينا نظام الدين بالدموع.
