كان الغلام في رحلةٍ مع رفقةٍ صغيرة، لا هدف لهم إلّا طلبَ العلم. كان فراقُ الأمّ موجعًا، غير أنّ الشوق إلى المعرفة يهوّن كلّ ألم. ومع ذلك، كان في قلب الأم طمأنينةٌ خفيّة. وعند الوداع، قالت الأم لابنه عبد القادر كلماتٍ كأنّها وصية تُكتب في أعماق الروح:
«يا بُنيّ، ستواجه في طريق الحياة أحوالًا شتّى، فمهما يكن، لا تقل إلا الحقّ. أُودّعك لله، وكأنّي أوقن أنّي لن أراك إلى يوم القيامة». ثمّ قبّلها قُبلة الوداع، وافترقا وعيونهما تفيض بالدمع.
سارت القافلة حتى دخلت همدان، فاستراحت يسيرًا ثم تابعت المسير. وعلى مقربةٍ منهم، كانت عصابةُ لصوصٍ تترصّد المسافرين. أحاطوا بالرفقة الصغيرة، وكانوا ستّين فارسًا مدجّجين بالسلاح. فتّشوا الناس واحدًا واحدًا، وسلبوا ما وجدوا من أموال.
ولما رأوا عبد القادر في هيئة فقيهٍ فقير، تركوه وشأنَه. غير أنّ أحدهم سأله على سبيل العبث: ما الذي معك؟
قال الغلام بهدوء: أربعون دينارًا.
سألوا: وأين هي؟
قال: مخيطةٌ تحت إبطي في ثوبي.
ظنّ السائل أنّ الصبيّ يمازحه، فمضى دون تفتيش. وجاء آخر، ودار بينهما السؤال والجواب، فاستبعد الأمر وانصرف. لكنّ الدهشة حملتهما إلى إخبار زعيم العصابة.
استدعى الزعيم الغلامَ، وبينما كان اللصوص يقتسمون الغنائم، نظر إليه وقال: ما الذي معك؟
قال: «أربعون دينارًا من الذهب».
سأل: وأين تخبّئها؟
قال: تحت إبطي.
فتّشوه، فوجدوا الدنانير كما قال، وعدّوها فإذا هي أربعون كاملة. هنا امتلأ قلب الزعيم عجبًا، وقال: يا بنيّ، ما الذي دعاك إلى هذا الصدق؟
قال عبد القادر: أمّي. عاهدتها ألا أكذب أبدًا. ولا أستطيع أن أنقض عهدي معها.
كانت تلك الكلمات كأنها طرقت أبواب قلبِه طرقًا عنيفًا. اغرورقتْ عيناه بالدموع، وقال منتحبًا: يا بني، أنت تخاف أن تخون عهدك مع أمِّك، وأنا منذ سنين أخُونُ عهدي مع ربّي، وأعيش في الخديعة والمعصية.
تاب باكيًا، وتبعه رجال عصابتِه واحدًا تلو الآخر، وقالوا: كما كنتَ قائدَنا في السلب، فأنت اليوم قائدُنا في التوبة.
ثمّ ساروا ممسكين بيد ذلك الغلام في طريق الصلاح. وكان ذلك الصبيّ هو من صار لاحقًا سلطان الأولياء، الشيخ محيي الدين عبد القادر الجيلاني رحمه الله.
