كان الشيخُ الجليل وتلميذه الحبيبُ يتذاكران في شؤون السلوك والروح، إذ أقبل عليهما رجل يُدعى شَيْبان الرَّاعي، فقال التلميذُ لشيخه: انظر، دعني أُبيِّن لك جهلَ هذا القادم؛ فإذا عَلِمَ قصورَه عن كثير من الأمور، ازداد حرصًا على التعلُّم، وسعى إلى إصلاح حاله وتقويم حياته.
فما كاد الشيخ أن يقول: «دَعْهُ» حتى شرع التلميذ يسأل الرجل، فقال: رجل نسي صلاةً من الصلوات الخمس، ولا يدري أيَّها تركَ، فما الذي يجب عليه؟ وما جوابك في هذه المسألة؟
فقال شَيْبان الرَّاعي: قلبُه غافلٌ عن الله، والغفلةُ هي الداء، والعلاج إنّما يكون للقلب. فلو صلح قلبه لما نسي ربَّه طرفة عين. فلمّا سمع التلميذ هذا الجواب، سقط مغشيًّا عليه.
فلمّا أفاق، قال له الشيخ: ألم أنهكَ أن تتركَه وشأنه؟ إنّ شَيْبان رجلٌ عاميٌّ أُمِّيّ، فإذا كان هذا مقامُه، فكيف بمقام أئمّته وقادته؟ وكان الشيخ هو الإمام الشافعي رحمه الله، والتلميذ هو الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.
إنّما أشار الشيبان الراعي إلى شؤم نسيان المولى عزّوجلّ. وقد علَّم القوم طريقًا يحفظ القلب في دوام الذكروالحدذر، وهو الحُزن، حزنُ الآخرة.
وجاء في بعض الأقوال: الحُزن يَقلَع الخوف، ويُورِث الزهد في الطعام، ويصدّ عن المعاصي. وقال السَّريُّ السَّقَطي رحمه الله: وددتُّ أنّ حزنَ كلّ الناس ألقِيَ عليَّ . وقال ابن خفيف رحمه الله: الحُزن أن يمنع العبدَ نفسَه من طلب اللذّات. وَقَالَ بشر بْن الْحَارِث الحزن ملك فَإِذَا سكن فِي موضع لَمْ يرض أَن يساكنه أحد وقيل: القلب ذا لَمْ يكن فِيهِ حُزن خرِبَ كَمَا أَنّ الدارَ إِذَا لَمْ يكن فِيهَا ساكن تخرّب.
وسمعت رابعة العدوية رضي الله عنها رجلاً ينتحب، فقالت: آه، ما أحلى هذا الحُزن! ولكن البكاءَ على قلّة حُزننا. أمّا صاحب الحزن الحقيقيّ فلا يقدر حتّى على التنفّس.
ولما تُوفي العارف أبو فُضيل رحمه الله، سُمع في الأرجاء من يقول: اليوم ارتفع الحُزن من الأرض. كان الحُزن زينة أبي فُضيل.
هل المحزونون أهلُ سعادة؟ انظر إلى جواب سفيان بن عيينة رحمه الله: إذا وُجد في قومٍ رجلٌ يبكي من الحُزن، رحم الله ذلك القومَ بدموعه.
الحُزن حالٌ يُنقذ القلوب التائهة في وادي الغفلة، السائرة بلا مقصد. وقال الشيخ أبو علي الدقّاق رحمه الله موضّحًا: هذا المعنى: العبد الذي يسير إلى الله بقلبٍ مكسور من الحُزن، يقطع في شهرٍ ما لا يقطعه الغافل في سنة.
عن أبي الدرداء ، رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إنّ الله يحبّ كلّ قلبٍ حزين . رواه الحاكم في المستدرك.
