أهلُ السَّخاء هم الذين يُقدِّمون غيرَهم على أنفسِهم. فالعطاءُ أن يُعطي المرءُ قليلًا ويُبقي كثيرًا، وأمّا السخاءُ فأن يُعطي كثيرًا ولا يُبقي إلّا القليل. وقد وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿ويؤثرون على أنفسِهم ولو كانَ بِهم خصاصة﴾ [الحشر: 9].
سألت امرأةٌ ليثَ بنَ سعد شيئًا من العسل، فأعطاها جَرّةً كبيرة، فأنكر الناس عليه ذلك، فقال:هي سألتْ على قدر حاجتها، وأنا أعطيتُ على قدرِ طاقتي.
ونذكر ههنا مشهدَين من التاريخ، من حياة رجلَين من كبار الأصفياء، يفتحان للأبصار آفاقًا جديدةً في معنى الكرم.
المشهد الأول: كان عبد الله بن جعفر رضي الله عنه في بستان، فرأى عبدًا أسودَ يعمل فيه. فلمّا همّ العبدُ أن يأكلَ، أقبل كلب. فألقى له قطعةَ خبزٍ، ثم نظرَ الكلبُ إليه ثانية، فألقى له الثانية، ثمّ الثالثة، حتّى أطعمه كلّ ما كان معه.
فقال له عبد الله بن جعفر: كم نصيبك من الخبز في اليوم؟
قال: مثل ما رأيتَ.
قال: فلِمَ أعطيتَه كلَّه؟
قال العبد: لا كلاب في هذه الناحية، ولعلّه جاء جائعًا من مكان بعيد، فلم تطاوعني نفسي أن أطرده.
قال: فماذا تأكل اليوم؟
قال: أصوم.
فقال ابن جعفر متعجبًا: يقول الناس إنّني كريمٌ، وما بلغ كرمي قريبًا من كرم هذا العبد!. فاشترى البستان والعبد وآلات العمل، ثم وهب ذلك كلّه للعبد وأعتقَه.
المشهد الثاني: سُئل قيسُ بن سعد بن عبادة رضي الله عنه: هل عرفتَ أحدًا أكرمَ منك؟ قال: نعم، كنّا نسير في البادية، فنزلنا عند امرأة، فلمّا جاء زوجُها قالت: عندنا ضيوف. فجاء بناقة ونحرها، وقال: هذا لكم. فلما كان بالغد جاء بناقة أخرى فنحرها. وقال : هذا لكم ، فقلنا: ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا اليسير، يكفينا ما بقي من لحم الأمس. فقال: ما كنتُ لأطعم ضيوفي لحمًا بات ليلته.
فأقمنا عنده يومين أو ثلاثة بسبب المطر، وكان يفعل ذلك كلّ يوم. فلمّا هممنا بالرحيل، أعطينا زوجتَه مائة دينار، وقلنا: إن كان قد أصابه بسببنا شيءٌ فاسترضيه عنّا.
فلما انتصف النهار، إذا به يلحق بنا صارخًا: قفوا أيها الركب اللئام! أتجعلون لضيافتي ثمنًا؟! ثم ردَّ المال وقال: والله، لئن لم تأخذوه لأطعننّكم برمحي. فأخذناه وانصرف. ثم أنشأ يقول: وإذا أخذتُ ثواب ما أعطيتُه - فكفَى بذاك لنائِلٍ تكديرا.
الأسخياء يرون الآخذين من عطاياهم ضيوفًا بعثهم الله إليهم. قال مُطرّف بن الشِّخِّير رحمه الله: من احتاج منكم إلى شيء فليكتب لي رقعة؛ فإنّي أكره أن أرى ذلّ السؤال في وجهه.
وكان الشيخ أبو عبد الرحمن السُّلَمي لا يُسلِّم العطاء بيده، بل يضعه على الأرض ويقول للآخذ: خذه. وكان يقول: أكره أن تكون يدي فوق يد عبدٍ من عباد الله؛ فالدنيا أهون من ذلك.
