الإنسان الصالح هو الذي يُحسن صلتَه بالناس وبالكون من حوله. كلماته، وابتسامته، قادرة على أن تمسّ القلوب التي تلقاه. لا يخرج أحد من لقائه مثقلًا بالأذى، ولا يبقى في صدره منه غصّة.
قال الفضيل بن عياض رحمه الله: لو أَن العبد أَحْسَن الإحسان كُلّهُ وكانت لَهُ دجاجة فأساء إِلَيْهَا لَمْ يكن من المحسنين .
ليس من العسير أن نُحسن الخُلُق مع من يُحسن إلينا؛ فذلك أمرٌ مألوف. ولكن المعيار الحقيقي إنّما يظهر في كيفية تعاملنا مع من يسيء إلينا، ويغتابنا، ويؤذينا، ويُكثر من انتقاصنا.
وفي هذا الباب تُروى سيرة الأحنف بن قيس، وهي مثال يُحتذى. فقد تبعه رجل يومًا يسبّه ويشتمه، والأحنف صامت. فلما دنا من داره التفت إليه وقال بهدوء: يا هذا، إن كان بقي عندك شيء تقوله فقُله الآن، فلو سمعك أحد من أهل هذا الحيّ لربّما أجابك بمثل لسانك.
ودخل لصٌّ يومًا بيتَ الشيخ أبي عبد الرحمن السُّلَمي، فاستلب ما فيه من متاع ومضى. ثم سمعه بعض خاصّته يقول بعد ذلك: مررتُ بالسوق، فرأيتُ قميصي معروضًا للبيع، فآثرتُ أن أغيّر طريقي وأمضي.
أصحاب القلوب اللامعة بنور الخير لا يفرّقون بين سيّد وعبد، ولا بين قريب وبعيد؛ فالناس عندهم إخوة، وغرضهم الخير للجميع.
دعا أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه غلامَه يومًا، فلم يُجبه. دعاه ثانية، وثالثة، فلم يسمع ردًا. فقام إليه فوجده مضطجعًا على الأرض. فقال له: أما سمعتَ ندائي؟
قال: بلى، سمعتُ.
قال: فما منعكَ من الإجابة؟
قال: لثقتي بأنّكَ لن تعاقبَني.
والذين لم أقاموا في قلوبهم جدرانا، لا ينتظرون الاعتذار؛ بل يعالجون الإساءة في حينها، ويتجاوزون عنها، ولا يُعاملون أحدًا بوجهٍ غضوب.
وكان أبو ذر الغفاري رضي الله عنه، من أصحاب النبي ﷺ، يسقي جملَه ذات يوم، فمرّ رجل مسرعًا فصدم الإناء، فأراق الماء. فما كان من أبي ذرّ إلا أن جلسَ فورًا، ثم اضطجع على الأرض. فسأله بعض من حضر عن سرّ ذلك. فقال: هذا ما علّمنا رسول الله ﷺ: إذا غضب أحدكم فليجلس، فإن لم يذهب عنه الغضب فليضطجع حتى يزول.
