منذ زمنٍ بعيد أعرف أسرتين جارتين تسكنان متقابلتين، لكنّهما لم تتبادلا كلمةً واحدة منذ أعوام. وحين سألتُ أحدَهما يومًا عن سبب القطيعة، قال: دجاجُ جارتنا خرِبت شتلات الفلفل في حديقتنا! يا للعجب! كم من علاقاتٍ طيبةٍ ومودّاتٍ صافيةٍ تهدِمها قلوب البشر لأسبابٍ تافهةٍ كهذه!
فإن كنتَ أنتَ أحد هؤلاء الذين تهدمهم الحساسيات الصغيرة، أو كنتَ تعرف من يعيشون هكذا، فدعني أروي لك هذه القصة: حدث أن نشب بين هاتين الأُسرتين خلافٌ صغيرٌ تضخَّمَ شيئًا فشيئًا حتى صار جدارًا من الكراهية. وحلف كلٌّ منهما ألا يُقيم صلةً بالآخر أبدًا. حتى إنّ رؤية أحدُهما للآخر كانت تُثير الضيق في النفس. قرّر أحدهما أن يسافر بعيدًا، وقبل رحيله استدعى عاملا ماهرًا وقال له: حين أعود بعد شهرين، أريد جدارًا عظيمًا بين بيتي وبيت جاري، لا أراه ولا يراني أبدًا.
سافر الرجل، وحين عاد بعد شهرين، نظر من بعيد فلم يجد جدارًا كما طلب، بل رأى جسرًا جميلًا متينًا يربط بين البيتين فوق جدول يحدّهما! فغضب غضبًا شديدًا وهمَّ أن يوبّخ العامل، فإذا بجارِه يعبُر الجسرَ مقبلًا نحوه مبتسمًا يقول: يا أخي، لقد أدهشتني! كنتُ أنوي أن أبني جدارًا بيننا إلى الأبد، فإذا بكَ تبني جسرًا يصل ما انقطع! جزاك الله خيرًا، فلن نفترق بعد اليوم. عندها فقط أدركا أن العامل النبيل لم يخطئ؛ فقد اختار أن يبني جسرًا في القلوب بدلًا من جدارٍ في الأرض، إذ كان يعرف أن بينهما نهرًا صغيرًا لا يمنع الوصل بل يدعو إليه.
هل تأملت يومًا معنى الجار؟ هو من يجاورك قربًا ومكانًا، ولكن الإسلام أراد له أن يكون قريبًا قلبًا ورحمةً أيضًا. فالجار في التصوّر الإسلامي ليس مجرد من يشاركك الحائط أو الطريق، بل هو من يشاركك الهمّ والفرح، ويغدو لك في الشدّة عضدًا وفي الرخاء أنسًا.
الجار الصالح نعمةٌ من أعظم نعم الله على عبده. هو الذي تراه أوّل من يهرع إليك عند الحزن، وأوّل من يضيء لك المصباح حين تنطفئ أنوارُ بيتك، وهو الذي يقتطع من طعامه نصيبًا لك قبل أن يتذوّقه أهل بيته. لكن المشكلة تبدأ حين نبني جدار القطيعة في صدورنا قبل أن يُبنى في أرضنا. تبدأ حين نقول: أنا أرفع منهم شأنًا، أو نحن من بيتٍ أعزّ منهم قدرًا، فتمتلئ القلوب حجارةً سوداءَ تبني جدار الكبر الذي يعزل القلوب عن الرحمة.
لقد قال الله تعالى في سورة النساء، وهو يأمر بالإحسان إلى الناس: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ...﴾ لقد خصّ الجار بذكرٍ بعد القرابة، لأنّ حسن الجوار عبادةٌ تتقرب بها إلى الله. وفي الحديث الشريف عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنّه سيورّثه. (رواه البخاري ومسلم) وقال ﷺ في حديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره. وروى الإمام الغزالي في إحياءه عن ابن المقفع : وشكا بعضهم كثرة الفأر في داره فقيل له لو اقتنيتَ هرّاً فقال أخشى أن يسمع الفأر صوت الهرّ فيهرب إلى دور الجيران فأكون قد أحببتُ لهم ما لا أحبّ لنفسي. ما أروع هذا الحسّ الإيماني والإنساني الرفيع الذي يجعل من الجار شريكًا في الرحمة قبل أن يكون شريكًا في الجدار.
أما اليوم، فقد صار في بعض البيوت من يموت وحيدًا دون أن يدري به أحد! قد يفنى جسده في وحدته، فلا يُكتشف موتُه إلا بعد أيّام حين يدخل أحدهم صدفةً فيرى بقايا عظامه! لقد غدت الوحدةُ قاتلةً، لأنّ الجدران علت والقلوب انغلقت.
إن أخلصتَ الحبَّ لجيرانك ولمن حولك، سيعود إليك الحبُّ مضاعفًا. وإذا زرعتَ الودَّ عاد إليك ثمره سلامًا وأمنًا وسعادةً. فالجار الصالح يبني مجتمعًا صالحًا، ومجتمعات الخير تبني أوطانًا طيبةً راسخةً. حتى الجار القاسي القلب يمكن أن تلينه الهدايا الصغيرة والابتسامات الصادقة والكلمة الطيبة. فالقلب البشري، مهما قسا، لا يقوى على الصمود أمام دفء المودة.
إن غاية الحياة ليست في الربح أو التفوق على الآخرين، بل في أن نحيا بإنسانيةٍ صافيةٍ، نعيش مع الناس، ونرحل عنهم ونحن في قلوبهم أثرٌ طيب. ومن نال نعمة الجار الصالح فقد نال مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة. فاهدموا الجدار من قلوبكم، وابنوا الجسور بأيديكم... فإن عالمًا أجمل ينتظر من يعرف كيف يُحسن الجوار.
