كان على جانبي جدارٍ واحد بيتان. في أحدهما شقاقٌ لا ينقطع؛ خصامٌ دائمُ بين الزوج والزوجة، لا يكاد يخلو يومٌ من نزاع. وفي البيت الآخر سكينةٌ دائمة، ووئامٌ عجيبٌ، كأنّ القلوب هناك على انسجامٍ واحد.
عزم الزوجان كثيرَا الخصامِ على اكتشاف سرّ هذا الصفاء. فإذا العجب فيما رأوا: لو انكسر كأسُ شاي في ذلك البيت، قال الزوج فورًا: أنا المخطئ، أخذتُه بغير انتباه. فتبادر الزوجة: بل أنا، وضعتُه على حافّة الطاولة. ويتواصل هذا الخلاف الجميل، وكلٌّ يتسابق إلى تحمّل الخطأ.
أمّا في البيت الأول، فالزوج يُحصي أخطاءَ زوجته، والزوجة تعدّد زلّات زوجها، فيتغذّى النزاع ويستفحل.
وهكذا يتبيّن سرّ الشقاق وسرّ السكينة:المغفرة هي مفتاح السلام.
وليست المغفرة أن تبتلع الغضب، ثم تفيض به صراخًا، ثم تعفو بعد ذلك؛ وإنّما جمالها أن تمنع الغضب من الدخول أصلًا.
روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، عن النبي ﷺ أنه قال:إنّما الصبرُ عند الصدمةِ الأولى.
في القلوب الجميلة ينبع عسل الصبر بلا انقطاع. فحين تأتي الشدائد، لا يُدخلونها إلى دواخلهم، بل يستقبلونها بالصبر. وحين تحلّ الابتلاءات، يعبّرونها بلا تذمّر ولا شكوى.
قال ابن عطاء رحمه الله: حقيقة الصبر أن يُواجَه البلاء بأحسن حال. وهو في حقيقته إقامة صداقة، كما يُصادِق العبد أوقات الرخاء، يُصادِق أوقات الضيق. فأين يجد للشكوى وقتًا!؟
ويروي علي بن عبد الله البصري، يقول: وقف رجلٌ على الشبلي، فقال: أيّ صبرٍ أشدّ على الصابرين؟
فقال: الصبر في الله عز وجل،
فقال: لا،
فقال: الصبر لله تعالى.
قال: لا،
قال: الصبر مع الله تعالى.
قال: لا،
قال: فأي شيء؟
قال: الصبر عن الله عز وجل.
فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه أن تتلف.
الناس يقيسون أحوال الحياة، فيسمّون بعضها فرحًا وبعضها حزنًا. أمّا من ذاق سرَّ الفرح الأعلى، ومن استقرت بَذرَة السكينة في قلبه، فقد ارتفع عن هذا التقسيم. فالسراء والضراء عنده سواء.
قال الجنيد رحمه الله: الصبر هو ألا ترى فرقًا بين حال النعمة وحال الشدة؛ أن تكون على سكينة واحدة في جميع الأحوال. أن تجد الطمأنينة عند الابتلاء، مع بقاء الإحساس بثقله في القلب.
وانظر إلى قول أحد الصوفية:
أَخْفَيْتُ مَا هَطَلَتْ بِهِ عَيْنِي مَخَافَةَ أَنْ تَرَى شَجَنِي
فَلَوْ رَأَتِ النَّفْسُ مَا بِهِ صُدِعَتْ لأَجْرَتِ الدَّمْعَ مِنْ غَيْرِ مَا تَقِنِ
وقال حكيمٌ آخر:
الصَّابِرُ غَرِيقٌ فِي صَبْرِهِ، حَتَّى يَضِيقَ الصَّبْرُ مِنْ صَبْرِهِ، فَيَسْتَغِيثُ الصَّابِرُ وَيَقُولُ: يَا صَبْرُ.. اصْبِرْ عَلَيَّ!
ويروى في أخبار القوم أن صوفيًّا كان بمكة، رأى درويشًا يُخرج من جيبه رقعة، ينظر فيها طويلًا.
وفي اليوم التالي رآه على الحال نفسها. تتبّعه أيامًا، فلم يرَ منه إلا ذلك. وفي يومٍ رآه متوجهًا إلى الكعبة، وقف هناك، نظر في الرقعة، ثم تراجع خطواتٍ يسيرة، فسقط ميتًا. فأخذ الصوفي الرقعة، فإذا فيها مكتوب: «اصبِر لحُكم ربِّك، فإنّك بأعيُنِنا».
