كان رجلان جمعتْهما محبّة عميقة، حتى إذا حان وقتُ الفراق بينهما، تقدّم أحدهما ليودِّع صاحبه، فاغرورقت عيناه بالدّموع. غيرَ أنّ العجبَ كان في أنّ الدمع انهمر من عين واحدة فقط. أمّا العين الأخرى، التي لم تبلّلها الدموع، فقد أغلقها بإحكام في تلك اللحظة. ورأى في ذلك تقصيرًا في حقّ المحبّة، فعاقب نفسه بأن أبقى تلك العين مغمضة أربعًا وثمانين يومًا، لأنّها لم تبكِ ساعة فراق المحبوب.
وحكي أنّ رجلا من أهل الهند عشق جارية فرحلت الجارية فخرج الرجل في وداعها فدمعتْ إحدى عينيه دون الأخرى فغمض التي لم تدمع أربعا وثمانين سنة ولم يفتحها عقوبة لها لأنها لم تبك على فراق حبيبته، وفي معناه أنشدوا:
بكت عيني غداة البين دمعا وأخرى بالبكا بخلت علينا
فعاقبت التي بخلت بدمع بأن غمضتها يوم التقينا
حُبس الشبلي أحدُ أعلام الصوفية في المارستان ، فدخل عليه جماعة. فقال: من أنتم؟ قالوا:إنّا محبوك يا أبا بكر فأقبل يرميهم بالحجارة ففرّوا.
فقال: إن ادّعيتم محبتي فاصبروا على بلائي وأنشد الشبلي:
يا أيّها السيد الكريم حبّك بين الحشا مقيم
يا رافع النّوم عن جفوني أنتَ بما مرّ بي عليم
وكان للشيخ أبي علي الدقّاق عبد يُدعى فيروز، خدمه زمنًا طويلًا. وذكر الشيخ يومًا لأحد تلامذته أنّ فيروز أساء إليه مرّة، وغلظ عليه القول. فعاتبه أبو الحسن قائلًا: لِمَ تؤذي شيخك؟ فأجابه العبد: لأنّي أحبّه حبًّا شديدًا.
ورُوي عن النبي محمد ﷺ أنّه قال لأصحابه: إذا أحبّ الله عبدًا نادى جبريل: إنّ الله يحبّ فلانًا فأحبِبْه، فيحبّه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إنّ الله يحبّ فلانًا فأحبّوه، فيحبّه أهل السماء، ثم يُجعل له القبول في الأرض.
وهكذا جعل الله المحبّة من أعظم صفات عباده الصالحين، وكشف عن محبّته لعباده المخلصين. فهو سبحانه يحبّ أولياءه، وهم يحبّونه حبًّا صادقًا خالصًا. ومحبة الله لعبده مرتبطة بحسن عمله وصفاء سريرته، وهي فضل خاص ومنزلة رفيعة يختصّ بها من يشاء من عباده.
