اركُضْ حتّى تغيبَ الشمسُ، وكلُّ ما تقطعه من الأرض فهو لك، هذا هو العهد. انطلق الرجل منذ الفجر. والشمس تمضي في مدارها. حين دنا وقت الضحى، ناداه الجسدُ إلى الطعام، فقال: لا، فالوقت رأس المال.
وحين عطش، قال: لا، فحتّى جرعة الماءِ توجب خسارة الوقت، سأجمع الغداء والعشاء في ساعة واحدة.
مال النهار إلى الزوال، وبدأت الأطراف ترتجف، لكنّه لم يبلغ بعدُ ما طمح إليه. كان يجري حينًا، ويمشي حينًا، والجوع ينهش جسدَه، أمّا قلبه فكان في موضع آخر: كلّ هذه الأرضُ ستصير باسمي، سأزرعها، وأملكها، وأصير سيّدَ هذه الديار. ملأت في ذاكرته أحلامٌ لا نهاية له! اقترب الغروب، وكاد الرجل يهوِي ويسقط على الأرض مغشيّا. ومع ذلك، جمع ما بقي من أنفاسه، وجرّ جسدَه جَرًّا، وقبل أن تغيب الشمس بلحظات، سقط ميتًا.
جاء الملك الذي وعده، ومعه حاشيته. لقد قطع مسافة عظيمة. والعهد أن تُمنح له الأرض بقدر ما قطع.
سألوا للملك: كم نَقيسُ له من الأرض؟
قال الملك: ستّة أقدام فقط !.
هكذا لو أُعطِي الإنسان ما يطلب، لما انتهى طلبه. فشهوة المزيد طبعٌ في النفوس. ومن لم يتحرّر من أسر الطمع، لا يهنأ بيومٍ واحدٍ في سلام. وإن نال نعمة، عجز عن تذوّقها، لأنّ عينَه معلّقة بما بعدها.
ومن منابع الطمع: النظر إلى ما في أيدي الناس. يفكّر المرء فيما ينقصه، لا فيما أُعطِي. يرى الآخرين وكأنّهم أوتوا كلّ شيء، ولا يلتفت إلى من هُم دونه حالًا.
والحياة ليست سواءً بين الناس: الأقدار مختلفة، والابتلاءات متباينة، والأرزاق موزونة بميزان الحكمة.
ففي كتاب القضاء كُتب لكلِّ نفس أجلُها، وقُدِّر لها رزقها، غيرَ أنّ أكثر الناسِ أعرضوا عن مقصد الحياة، وانشغلوا بجمع الأسباب. فكيف لهم أن يذوقوا طعم الرضا؟ ولمن تكون سعادة السكينة الشاملة؟ اسمع جواب العارفين.
قال أحدهم: إذا دخلتُ السوق، رأيتُ الأشياء كلّها تشتهِيني، وأنا عنها كلِّها مستغنٍ.
وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: إن الخير كلَّه في الرضا، فإن استطعتَ أن تكون راضيًا فافعل، وإلا فاصبر.
وسُئلت رابعة العدوية رضي الله عنها: متى يرضى العبد عن الله؟ فقالت: إذا سرّته النعمة كما يسرّه البلاء.
وقال فُضيل بن عياض رحمه الله لـ بِشر الحافي رحمه الله: الرضا خيرٌ من الزهد في الدنيا؛ لأنّ الراضيَ لا يتمنى في الدنيا حالًا غير الحال التي هو عليها.
فما الرضا؟ وذلك أن يعرف العبد وظيفته، ويعود إلى مولاه، وألا يعترض على ما قُسِم له في هذه الأرض.
عندها تُفتح أبواب الرضا.
قال رُوَيم رحمه الله: الرضا ألا تسأل اللهَ تحويلَ ما وضعه في يمينِك إلى شمالك، ولو كان نارًا.
والابتلاءات لا بدّ منها في هذه الدنيا. قال أبو عليّ الدقّاق رحمه الله: ليس الرضا ما يوجد في حالةٍ بلا ابتلاء، وإنّما الرضا ألا يكون لك اعتراض على حكم الله.
وخلاصة الأمر، ما دام القلب أسيرَ الشهوات، فلن يَعرفَ السكينة. تظل عينُه في قوائم المكاسب، وفي بريق الأحوال. وإذا سنحت له الفرصة، راودته نفسُه أن يخدع غيره، وأن ينتزع ما ليس له، وأن يزداد بأيّ سبيل. فذلك قلبٌ لبس رداءَ الطمع، ولا يُرجى له أن يشرب من كأس الرضا.
