كان عالمًا ملأت الدنيا علمًا!. فسُئل يومًا: أيهما أنفع للإنسان: الابتلاء أم السَّعة والرخاء؟ فأجاب الإمام: لا تُنال السعة إلا بعد المشقّة. أما رأيتَ أنّ نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّدًا عليهم الصلاة والسلام جميعًا قد ابتُلوا، وصبروا، واجتهدوا، فآتاهُم الله نصرًا عظيمًا وفتحًا مبينًا؟.
كان الإمام الشافعي رحمه الله يقيم مع تلامذته في سفوح جبل خيف بمكّة. وكانت أدوات الكتابة عظامًا تُتّخذ ألواحًا، فإذا فرغوا من الكتابة وُضعت في جرارٍ فخاريّة كبيرة تحفظ فيها. وكانت مجالس العلم زاهرة متألقة: تبدأ الدروس مع الفجر، أولها القرآن. يتقاطر الطلاب جماعات، وتدور الأسئلة والمناظرات، وتُثار القضايا العميقة، وتُعرض التفاسير. فإذا ارتفعت الشمس، حضر طلاب الحديث، ثم تُدرس اللغة، والنحو، والأدب، والشعر، والمنطق، وسائر العلوم. وكان الشيخ متقنًا لكل فن، متفرّدًا في كل ميدان.
وذات مرة، دعا أحد كبار تلامذته الإمامَ إلى بيته، وألحّ عليه أن يبيت عنده. وكان وراء ذلك قصدٌ خفيّ؛ فقد كانت للتلميذ ابنةٌ صالحة كثيرة القيام بالليل. وكان أبوها يحدّثها دائمًا عن شيخه، فأحبّت أن ترى كيف تكون عبادتُه في الليل، وماذا يصنع إذا خلا بنفسه.
حلّ الضيف، وتناولوا العَشاء، ثم أووا إلى فرشهم. قام التلميذ كعادته إلى صلاة الليل، غارقًا في الذكر والدعاء. أما الإمام الضيف، فقد ظلّ مضطجعًا طوال الليل. فتعجّبت الفتاةُ، وقالت لأبيها همسًا: ما بال الأستاذ؟ لا مله صلاة الليل، ولا الذكر، ولا القيام!.
وفي الصباح، سأل التلميذ شيخه: كيف كانت ليلتكم يا إمام؟ فابتسم وقال: كانت من أطيب الليالي، ما مرّت عليّ ليلةٌ مثلها؛ فقد انفتح لي فيها، وأنا على فراشي، مئةُ مسألةٍ ينتفع بها المسلمون. فقال الوالد لابنته: والله إنّ ما أنجزه شيخُنا هذه الليلة، أعظم أجرًا وأثرًا من قيامي كلّه.
ومرّةً كان الإمام الشافعي يسير مع صاحبه الربيع، فاستوقفهما شابٌّ مقبل على الزواج، يسأل العون. فقال الإمام: يا ربيع، أعطه ثلاثين دينارًا. فقال الربيع: لعله لا يحتاج هذا القدر، تكفيه عشرة دراهم. فأبى الإمام، وقال: بل لن تكفيه الثلاثون؛ فالزواج تكثر فيه النفقات. ثم أخذ يعدّد له أوجه الصرف والحاجة.
وفي يوم عيد، بعث أحد الأغنياء كيسًا كبيرًا من المال إلى الإمام مع خادمه، وقال: اقبله مكافأةً وتقديرًا. فأخذه الإمام. وفي اللحظة نفسِها دخل رجلٌ معدِم، يشكو الفقر ويطلب العون. فناولَه الإمام الكيس كلَّه، وما عاد إلى بيته إلا وقد تصدّق بما أُهدي إليه قبل أن يضعه بين يديه.
