كانا جارَين متلاصقَين: أحدُهما عالمٌ جليل ذاعت شهرتُه في الآفاق، والآخَر رجلٌ عُرف بالمشاكلِ والإزعاجِ. ضجّ أهلُ الحيّ من أذاه؛ صخبٌ لا ينقطع، وليالٍ لا تعرف السكون. هو وأصحابه بين لهوٍ وسُكرٍ وغناء.
وفي إحدى الليالي، داهمتْهم فرقةُ الحاكم، فقبضت عليه وعلى رفاقه، وزُجّ بهم في السجن جزاءَ ما أحدثوه من أذى.
لم يكن العالِم على علمٍ بما جرى. فلمّا مرّت ليلتان دونَ ضوضاء، افتقد الجارَ وسأل عنه. وما إن علِم بالخبر حتّى قال لتلاميذه: هلمّوا بنا نخلّصه، إكرامُ الجار واجب، وقد أوصى به جبريلُ النبيَّ ﷺ.
توجَّهوا إلى القصر، فتعجّب الملك من قدوم العالِم، واستقبلهم بإجلال.
قال: «يا الإمام الأعظم، ما حاجتكم؟ قال: جارٌ لي اعتُقل البارحة. وأكفّله بنفسي، فأَطلقوا سراحَه على ضمان منّي.
قال الملك: إكرامًا لك نفعل. ولو كان الأمر دون هذا، لكفى أن تُرسل رسولًا. ثم التفت إلى المسجونين وقال: اعلموا أنّكم أُطلقتم ببركة هذا الشيخ، فاشكروه وادعوا له.
عرف العالِم جارَه بين القوم، وأمسك بيده وقال بلطف: يا صاحبي، لعلّ تلك الأيام لا تعود؟ قال الرجل منكس الرأس: لا، والله لا تعود تلك الأيام الصخبة أبدًا. لن ترى منّي بعد اليوم ما يؤذيك.
عادا معًا. ولمّا بلغ العالِم بيتَه قال لابنه حمّاد: ائتني بكيس المال. فأعطَى الجار عشرة دنانير وقال: عوّض بها ما فاتك في أيّام السجن، وإن احتجتَ شيئًا فلا تتردّد.
دهش الرجل. وشهد الزمن ما كان بعد ذلك؛ إذ صار هذا الجارً فيما بعد من كبار علماء الكوفة. أما ذاك العالِم الذي أخذ بيده، هو الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله.
وذات يوم، اندفع إلى الإمام أبي حنيفة جماعةٌ من الشبّان يحملون السلاح. أرادوا إسكاتَ الفكر بالقوة. كانوا ينكِرون وجود الخالق، ويزعمون أنّ الكون وُجد من تلقاء نفسه. حاصروه بالسيوف.
فابتسم الإمام في هدوء وقال: امنحوني لحظة أسأل فيها سؤالًا، ثم افعلوا ما شئتم. فوافقوا عليه. قال: سفينة عظيمة، محمّلة بالبشر والبضائع، تعصف بها الرياحُ، وتسير في البحر بلا قائد ولا ربّان، أيمكن هذا؟
قالوا: مستحيل.
قال: فكيف يقبل العقل أنّ هذا الكونَ العظيم، المليء بالأفلاك والأنظمة، يقوم بلا مدبّر ولا خالق؟ بهت القوم، وسكتت الألسنة، وغاصت العقول في التفكير. ثم قالوا بعد برهة: قد رجعنا إلى الحقّ، وآمنّا بدين الله.
هكذا كان أبو حنيفة: جارًا رحيمًا، ومربّيًا حكيمًا، يُحرّر الناس بالخلق قبل الحُجّة، وبالعقل قبل السيف.
