لفّ البردُ البيتَ وما حولَه، وغطّى الصقيعُ الأرضَ حتى تشقّقت التربة من شدّته. ومع ذلك خرج الشيخ أحمد الرّفاعي ليتوضأ. وضوءٌ كامل.. كانت قطرات الماء إذا لامست جسدَه، لامست معها قلبَه، فينساب إليه بردٌ ممزوج بأنس الذِّكر وحلاوة المناجاة.
فرغ الشيخ من وُضوئه وخرج إلى الفضاء، وإذا بتلميذه يعقوب قد جاء لزيارته. وقف يعقوب على مسافة، بأدب وهيبة، يتأمل أستاذه. يا له من وجهٍ مشرق! نورٌ وسكينة!.
لكن الشيخ كان واقفًا بلا حراك، يده ممدودة لا تتحرّك، والماء ينساب منها قطرةً قطرة. طال الوقوف.
تعجّب يعقوب: ما الذي أوقف الأستاذ هكذا؟ لم يعهد منه هذا السكون الطويل.
لم يجد بدًّا، فتقدّم ليقبّل يد الشيخ. وفجأة تراجع الشيخ وقال بلطف ممزوج بالعتاب: يا يعقوب، ماذا صنعت؟ ألم تؤذِ تلك البعوضة المسكينة؟
دهش يعقوب، ونظر في عيني شيخه متسائلًا عمّا جرى. فقال الشيخ: يا بنيّ، حين جئتَ كانت بعوضةٌ تتغذّى من يدي. فلما تحرّكتُ فزعتْ وطارَت.
اصفرّ وجه الشيخ حزنًا؛ حُزنَ مَن انقطع رزقُ كائنٍ ضعيف بسببه. كأنّه أحسّ بجوع تلك البعوضة، وبحاجتها إلى ما تسدّ به رمقَها، فمدّ يده ساكنةً ليترك لها ما شاءت أن تأخذ.
هكذا كان الشيخ أحمد الكبير الرفاعي: رحمةٌ تمشي على قدمين، يرى في أصغر المخلوقات حقًّا في الحياة،
ويجعل من قلبه مأوىً لكل ضعيف.
أما يعقوب، فكان ينظر إليه في سكينةٍ ودهشة، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيّة، وهو يشهد نبع الرحمة يتدفّق من قلب شيخه.
