كان الليل قد أرخى سدوله، والسماء ملبّدة بالظلام، تتلألأ فيها نجوم خافتة كأنّها تختبئ. الطرق تمتدّ صامتة كأنها تقود إلى أعماق الغابة. وكان الشيخ أحمد الرفاعي عائدًا إلى بيته. فلما بلغ عتبة الدار، إذا بالباب مفتوح على مصراعيه. فساوره العجب. دخل على مهل، فإذا برجلٍ يسرق القمح من داخل البيت.
ما إن رآه اللصّ حتى ارتعدت فرائصه، وتزلزل جسده خوفًا. ماذا يفعل؟ كيف ينجو؟ كان الفقر قد أضناه، والمجاعة وغلاء الأسعار أحرقت ما بقي من صبره. خرج يطلب لقمةً تسدّ رمق الجوع، فلم يجد إلا طريق السرقة. وفي تلك اللحظة، غمره شعورٌ ثقيل بالذنب.
نظر إلى صاحب الدار نظرةَ المنكسر، ينتظر العِقاب. لكنّ وجه الشيخ لم يعرف غضبًا ولا قسوة، بل انفرجت شفتاه عن ابتسامة هادئة. قال له بلطف: يا بنيّ، أخذ القمحِ بقشره متعِب لك؛ ستحتاج أن تقشّره، وتجفّفه، وتطحنه. هاتِ كيسك، عندي دقيقٌ جاهز.
أخذ الشيخ الكيس، ومشى أمامه، واللصّ يتبعه في ذهول. أهذا يسخر منه أم يعطف عليه؟ وصلا إلى مخزن القمح. انحنى الشيخ وبدأ يملأ الكيس بالدقيق، يملؤه حتى فاض. أيُّ قلبٍ هذا؟! ملأ الكيس كاملًا وقدّمه إليه هديّة. أخذه الرجل بامتنان، وسلّم وهمّ بالخروج.
لكنّ الشيخ لم يطق أن يتركه وحده. فالسرقة والقتل شائعان في تلك الأنحاء، والطريق خطر على الغريب. فخرج معه حتى حدود القرية. وعند الوداع قال له: إن كنتَ قد خِفتَ حين رأيتَني في بيتي فجأة، فسامحني.
ذابت كلماتُ الشيخ قلبَ اللص. قال في نفسه: أنا المخطئ، فلِمَ يعتذر إليّ؟! رقّةُ الشيخ وخلقُه اللطيف هزّت أعماقه. سرَق من بيته، فقابله بالإحسان، وأوصله بنفسه، واعتذر له.
همس قلبُه: هذا ليس رجلًا عاديًا. وغمرته رغبة صادقة أن يغسل قلبَه، ويعود إلى ربّه. فانصرف اللصّ بخطى مثقلة، يحمل دقيقًا في كيسه، وتوبةً في صدره.
