كان ابنُ عمرَ شديدَ الحذرِ في حياته، حتى قال طاووسٌ: ما رأيتُ أحداً قطُّ أورعَ من ابنِ عمرَ. لقد كان متبعاً للنبيِّ ﷺ اتباعاً كاملاً، وتجنبَ أموراً كثيرةً خشيةَ الوقوعِ في الحرامِ.
ذاتَ يومٍ، وبينما هو في سفرٍ، سمعَ راعياً يـعزفُ على مزمارٍ، فـعدلَ بـراحلـتِـهِ عن الطريقِ، ووضعَ أصبعـيـهِ في أذنـيـهِ، ثم سألَ نـافعاً: هل تسمعُ شيئاً؟
فلما أجابه بـنـعـم، واصلَ سـيـرَهُ على تلك الحالِ حتى تأكدَ أن الصوتَ قد انقطعَ، حينها فقط رفعَ أصبعـيـهِ وأعادَ الراحلةَ إلى الطريقِ الأصليِّ وقال: رأيتُ النبيَّ ﷺ يفعلُ هذا.
وكان ابنُ عمرَ لا يجلسُ أبداً في مكانٍ قامَ منه شخصٌ آخرُ، وذكرَ الإمامُ النوويُّ أن ذلك كان لشدةِ ورعِـهِ، فقد كان يـخشى أن يـدخلَ في زمرةِ من يـقـيـمُ غيرَهُ ليجلسَ مكانه، وهو أمرٌ منهيٌّ عنه.
كان لابنِ عمرَ غلامٌ، فكاتبـَهُ على عـتـقِـهِ مقابلَ مبالغَ مـقسطةٍ. وعندما جاء الغلامُ بالقسطِ الأولِ، سأله ابنُ عمرَ عن مصدرِ المالِ، فقال الغلامُ: من عملي وبعضِ الصدقاتِ. فقال ابنُ عمرَ: أتريدُ أن تـطعـمَـنـي أوساخَ الناسِ؟ أنت حـرٌّ لوجهِ اللهِ، وخذ مالَكَ مـعـكَ مباركاً فيه.
وفي عهدِ ابنِ الزبـيرِ، نـُهِـبَـت كمياتٌ من التمورِ، فـاشتـراها البعضُ وحـوَّلوها إلى خلٍّ. فأرادت امرأةٌ أن تـسألَ ابنَ عمرَ عن رأيـهِ، فأرسلت إليه رسـولاً.
فكان ردُّ ابنِ عمرَ أن تـُراقَ تلك السوائلُ جميعُها على الأرضِ؛ إذ لم يـسمح له ورعُـهُ بـاستعمالِ أشياءَ مـشـكوكٍ في أصلِها. كما كان لا يـدخلُ الحماماتِ العامةَ ويقولُ: هي من مـنـعـماتِ العيشِ المـُحـدثـةِ التي لا أحبُّـها، فضلاً عن احتماليةِ كشفِ العوراتِ. وحين قيل له إن الناسَ يـلبسون المـآزرَ، قال: ولا أحبُّ أن أرى عورةَ غيري.
عُـرِفَ ابنُ عمرَ بـكرمٍ حاتـميٍّ، ولم يـعرف الـبخلُ إلى قلبـهِ سبيلاً، فكان كشجرةِ جودٍ أظلتِ المحتاجين. وفي مـجلسٍ واحدٍ، وزَّعَ اثـنـيْنِ وعشرينَ ألفَ درهمٍ قبل أن يـنصرفَ.
ويحكي رفيقُه نافعٌ أنه أعتقَ نحو ألفِ رقبةٍ حتى وفاتِـهِ. وذات مرةٍ، وصـلَهُ عشرونَ ألفَ دينارٍ فـفرقَها على الفقراءِ، وعندما جاء سائلٌ آخـرُ، استدانَ ابنُ عمرَ لـيـكرمَـهُ. كما أرسلَ إليه معاويةُ مئةَ ألفٍ، فما مرَّ عليه عامٌ إلا وقد أنفقَـها جـميعَها.
يتذكرُ أيوبُ بنُ وائلٍ قائلاً: قدمتُ المدينةَ وعـلمتُ أن مـعاويةَ أرسلَ أربعةَ آلافٍ لابنِ عمرَ، وآخرَ أرسلَ مثلَها، وثالثاً أرسلَ ألفـيْـنِ وحـُللاً. لكنني عندما ذهبتُ إلى السوقِ، وجدتُ ابنَ عمرَ يـقـتـرضُ درهماً لـيـشتريَ عـلفاً لـدا بـتِـهِ.
أصابـتني الحيرةُ، فـتـوجـهتُ إلى بـيـتِـهِ وسألتُ خادمةً هناك عن الأمرِ، فـأكـدت أن الأموالَ وصـلَتـه فعلاً، لكنه لم يـنـمْ حتى وزَّعَـها كـلَّـها وبقيَ خـاليَ الوفاضِ، فـتلك سـجـيـتـُهُ التي لا يـتـركُـها.
