تميز ابنُ عمرَ بنهجٍ خاصٍ في الصيامِ، فقد كان يكثرُ الصومَ اقتداءً بأبيه عمرَ بنِ الخطابِ، الذي استمر صائماً حتى وافاه الأجلُ. ومع ذلك، كان ابنُ عمرَ يفطرُ في السفرِ، حرصاً منه على الأخذِ برخصةِ المسافرِ.
وكان يضعُ شروطاً لمن يرافقه في رحلاته، منها ألا يصومَ أحدٌ في السفرِ إلا بإذنه، وألا يصطحبوا الإبلَ التي تأكلُ النجاساتِ، وألا ينازعه أحدٌ في الأذانِ أو في ذبحِ الشاةِ للطبخِ، إذ كان يحبُّ أن يتولى ذلك بنفسه.
حضر ابنُ عمرَ حجةَ الوداعِ، وظل يحرصُ في كل حجةٍ بعدها على الوقوفِ في ذاتِ المكانِ الذي وقف فيه النبيُّ في عرفةَ. أكثر ابنُ عمرَ من الحجِ والعمرةِ، فما فاته حجٌ قط، وكان يحرصُ على أداءِ العمرةِ في شهرِ رجبٍ. وبفضلِ دقةِ نقله لمناسكِ الحجِ عن النبيِّ، صار مرجعاً يقصده الناسُ، حتى إن مروانَ قال للحجاجِ: لا تخالف ابنَ عمرَ في أمورِ الحجِ.
تزخر كتبُ الحديثِ بمروياتِ ابنِ عمرَ عن الحجِ، فقد حفظ تلبيةَ النبيِّ وأضاف إليها ما يناسب المواقفَ، فصار حجةً في هذا البابِ. كما كان داعيةً حازماً يأمرُ بالمعروفِ وينهى عن المنكرِ، فإذا رأى من يلعبُ بالنردِ كسرها احتجاجاً، وكان يفعلُ ذلك مع المقربين منه. ورأى يوماً أداةَ لعبةٍ تسمى أربعة عشر فكسرها أيضاً.
لم يمنعه ورعه من تصحيحِ أخطاءِ الحجاجِ، بل رُوِيَ أنه ضرب أحدَ أبنائه حين أخطأ. وذات يوم رأى رجلين يتحدثان بصوتٍ عالٍ، فرماهم بحجرٍ صغيرٍ ليصمتوا.
ويتذكر ابنه عبدُ اللهِ موقفاً حين رآه أبوه يجلسُ متربعاً وهو صغيرٌ، فنهاه عن تلك الجلسةِ، وكان ابنُ عمرَ جالساً بالهيئةِ ذاتها، فلما رأى دهشةَ ابنه قال: إنما أجلسُ هكذا لأن رجليّ لا تطاوعاني.
ومر يوماً برجلٍ من أهلِ العراقِ قد سقط مغشياً عليه والناسُ حوله، فسأل عن حاله، فقالوا: يصيبه هذا حين يُقرأُ القرآنُ. فقال ابنُ عمرَ: إنا نخشى اللهَ ولكننا لا نسقطُ على الأرضِ.
ولما لقي جابرَ بنَ زيدٍ قال له: يا جابرُ، إنك من فقهاءِ البصرةِ وممن يُستفتى، فلا تُفتِ إلا بكتابٍ ناطقٍ أو سنةٍ ماضيةٍ.
ولم يكن يعجبه تفاخرُ الحجاجِ بزينتهم ومركوباتهم، فكان يقول: ما أقلَّ الحجيجَ وأكثرَ الركبَ. وحين رأى رجلاً فقيراً بسيطاً يؤدي حجه في صمتٍ، قال: هذا خيرٌ من كثيرٍ من هؤلاءِ الحجاجِ.
