قَدِمَ رَجُلٌ من أحبابِ ابنِ عمرَ من العراقِ ذاتَ يومٍ، فسلَّمَ عليهِ وقالَ: "لقد جئتُكَ بهديةٍ معي."
سألَهُ ابنُ عمرَ: "وما هيَ؟"
فأجابَ الرجلُ: "جوارشُ."
قالَ ابنُ عمرَ متعجبًا: "جوارشُ؟ وما الجوارشُ؟"
قالَ الرجلُ: "إنهُ دواءٌ يُساعدُ على هضمِ الطعامِ بسرعةٍ."
فابتسمَ ابنُ عمرَ وقالَ: "ولماذا أحتاجُ إليهِ؟ فأنا لم أشبعْ من الطعامِ منذُ أربعينَ سنةً."
هكذا كانَ حالُ ابنِ عمرَ؛ اختارَ التقللَ من كلِّ شيءٍ، وأظهرَ زهداً حقيقياً في الدنيا. لم يكن يتشهى الطعامَ، ولم يُجبرْ أهلَ بيتِه على إعدادِ ألوانٍ منهُ. بل كانَ لا يأكلُ اللحمَ إلا مرةً واحدةً في الشهرِ.
وفي إحدى الليالي، وُضِعَ الطعامُ أمامَهُ، فسمعَ صوتَ سائلٍ ينادي بالبابِ. فقامَ من فورِهِ وأعطى خُبزَه ولحمَه لذلكَ الفقيرِ. ولما عادَ، وجدَ أنَّ ما في الصحنِ قد نفدَ، فلم يتغيرْ وجهُه، بل استقبلَ الصباحَ وهو صائمٌ.
وفي مجلسٍ آخرَ، وزَّعَ ثلاثينَ ألفَ درهمٍ على الفقراءِ، بينما مرَّ عليهِ شهرٌ كاملٌ لم يذقْ فيهِ قطعةَ لحمٍ. وكانَ يقولُ: "ما شبعتُ منذُ أسلمتُ."
أما عن لباسِهِ، فقد كانَ بسيطاً جداً. يروي قزعُ بنُ يحيى قائلًا: رأيتُ ابنَ عمرَ يرتدي ثياباً خشنةً، فقلتُ لهُ: "إني أريدُ أن آتيكَ بثوبٍ ناعمٍ من صنعِ خراسانَ؛ لتقرَّ عيني برؤيتِكَ ترتديهِ، فثيابُكَ هذهِ خشنةٌ."
قالَ: "أرِني إياهُ."
فلما لمسَه، سألَ: "أهذا حريرٌ؟" قلتُ: "لا، بل هو قطنٌ."
قالَ: "إني أخافُ أن أرتديَه فأكونَ مختالًا فخورًا، واللهُ لا يحبُّ كلَّ مختالٍ فخورٍ."
وسألهُ رجلٌ: "أيُّ الثيابِ ألبسُ؟"
فأجابَه: "البسْ من الثيابِ ما لا يزدريهِ السفهاءُ، ولا يعيبُه الحكماءُ."
قالَ: "وبكمْ يكونُ ثمنُه؟"
قالَ: "ما بينَ خمسةِ دراهمَ إلى عشرينَ درهماً
رأى ابنُ عمرَ شاباً يأنفُ من لبسِ الثيابِ المرقوعةِ، فقالَ لهُ زاجراً: "ما بالُكَ؟ اتقِ اللهَ، ولا تكنْ ممن يتباهى بالزينةِ والرياءِ." لم يكن زهدُ ابنِ عمرَ نابعاً من فقرٍ أو بخلٍ، بل كانَ ورعاً وخوفاً من اللهِ؛ فقد كانَ يعيشُ في الدنيا كأنَّه عابرُ سبيلٍ.
كان أثاثُ بيتِهِ بسيطاً جداً، يقتصرُ على الضرورياتِ. ذكرَ ميمونُ بنُ مِهرانَ بعد زيارتِه لبيتِ ابنِ عمرَ: "إنَّ ثمنَ طيلساني (رداء تركي) هذا يبلغُ مائةَ درهمٍ، ولم أجدْ في بيتِ ابنِ عمرَ أثاثاً يساوي هذا المبلغَ."
عندما عرضَ عليهِ معاويةُ أن يعطيَه من المالِ ما يكفيهِ ويكفي أهلَه، ردَّ عليهِ ابنُ عمرَ قائلاً: "ماذا ظننتَ؟ إنَّ ديني ليسَ للبيعِ بالدنانيرِ والدراهمِ، وإنما أرجو أن ألقى اللهَ بِيَدٍ طاهرةٍ من الدنيا." بل إنهُ تحاشى الذهابَ إلى بيتِ المقدسِ؛ خوفاً من أن يفرضَ عليهِ معاويةُ مظاهرَ الترفِ الملكيِّ.
رَفَضَ ابنُ عمرَ منصبَ الخلافةِ مراراً، كما اعتذرَ عن تولي القضاءِ. وكان الخليفةُ عثمانُ بنُ عفانَ أولَ من عرضَ عليهِ منصبَ القاضي، فقالَ ابنُ عمرَ: "لا أقضي بينَ الناسِ، ولا أكونُ أميراً بينَ اثنينِ."
فسألهُ الخليفةُ: "أتعصي أمري؟"
فأجابَ: "كلا، ولكني سمعتُ أنَّ القضاةَ ثلاثةٌ: قاضٍ جاهلٌ فهو في النارِ، وقاضٍ جارَ في حكمِهِ لغرضٍ فهو في النارِ، وقاضٍ اجتهدَ فأصابَ فلا وزرَ عليهِ ولا أجرَ. فأنا لا أريدُ هذا."
قالَ لهُ الخليفةُ: "لقد كانَ أبوكَ يقضي بينَ الناسِ!"
فردَّ ابنُ عمرَ: "نعم، كانَ أبي إذا استشكلَ عليهِ أمرٌ سألَ النبيَّ ﷺ، والنبيُّ يسألُ جبريلَ، أما أنا فَمَنْ أسألُ؟" لقد كانت أعذارُه للزهدِ في المناصبِ جاهزةً دوماً.
