لم يترك المشركون النبيَّ في هدوءٍ بعد وصوله إلى المدينة. صبر المسلمون طويلاً، لكن الصبر نفد حين جاء أمرُ الله بالجهاد. هكذا وقعت غزوة بدر. كان ابنُ عمرَ فتى يافعاً، تملكه الفضول والشوق للمشاركة في القتال، فقد سمع الكثير من النبيِّ عن فضل الجهاد وعظمته.
حانت لحظةُ المعركة، وتحرك الجيشُ. كان الصبيةُ مستعدين، وكان ابنُ عمرَ في مقدمتهم. ولكن ثمة مشهد مهيب، حيث استعرض النبيُّ المقاتلين في فحص أخير؛ فمن نجح فيه نال شرف المشاركة. يروي ابنُ عمرَ تلك القصة قائلاً:
ارتحل الجيشُ حتى وصل إلى بيوت السقيا، وهي منطقة تبعد ميلاً عن المدينة وتشتهر بآبارها العذبة. هناك عسكر النبيُّ وتفقد الجنودَ. لفت انتباهه صغارُ السن الذين لم يبلغوا الحلم بعدُ، فقرّر إعادتهم، وكنتُ أنا ورافع بن خديج، والبراء بن عازب، وزيد بن زهير، وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت، وعمير بن أبي وقاص من بينهم.
استعرضنا النبيُّ، ثم قال: لا يمكن، يجب أن يعود هؤلاء. في تلك اللحظة، بكى عميرٌ بكاءً مريراً، فرقّ له قلبُ النبي ومنحه الإذن. أما أنا، فقد قضيتُ تلك الليلة بلا نوم، يملؤني حزنٌ وعويل لأن النبيَّ لم يسمح لي.
ثم جاءت غزوة أحد، وانطلقت الجموعُ ومعهم أنا وصبية آخرون. وصلنا إلى مكان يُدعى الشيخين، وهناك فحص النبيُّ المقاتلين وأعاد الصغارَ مرة أخرى، وكان منهم زيد بن ثابت، وعمرو بن حزم، وأسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وأسيد.
لكنه سمح لسمرة بن جندب ورافع بن خديج رغم بلوغهما الخامسة عشرة فقط. قيل للنبي: يا رسول الله، إن رافعاً رامٍ محترف، فأذن له. ثم قيل: إن سمرةَ يصرع رافعاً في المصارعة، فأذن له أيضاً. تمنيتُ من كل قلبي أن أحصل على الفرصة، لكن القدرَ كان له رأي آخر، فمنعتُ وبقيتُ أغرق في بحر أحزاني.
وعندما حانت غزوة الخندق، كان ابنُ عمرَ قد أتمَّ الخامسة عشرة من عمره، بينما كان في الرابعة عشرة وقت أحد. خرج ابنُ عمرَ للمشاركة، وهذه المرة منحه النبيُّ الإذن. وهكذا تحقق حلمُه بخوض أولى معاركه. كانت الخندق معركة قاسية أصيب فيها المسلمونُ بجروح بليغة في بدايتها، لكنهم سيطروا على الميدان لاحقاً. تركت الخندق ذكرى عظيمة في نفس ابن عمر، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى الخندق الذي حُفر لصد الأعداء.
التوجه إلى بني قريظة
في اليوم التالي، أصدر النبيُّ أمراً حازماً: لا يُصلينَّ أحدٌ العصرَ إلا في بني قريظة.
كانت هذه المنطقةُ معقلاً لقبيلةٍ من اليهود عاشوا فيها آمنين، لكنهم نقضوا العهودَ وظاهروا الأعداءَ ضد المسلمين. أثار هذا الغدرُ غضبَ النبي، وكان لزاماً عليه تأمينُ حدودِ الدولة الإسلامية ومحاسبةُ من خان الميثاق.
انضم ابنُ عمرَ إلى الركب، ويروي ما حدث قائلاً: انطلقنا نحو بني قريظة، وفي الطريق انقسم الصحابةُ بخصوص صلاة العصر. فقد أمر النبيُّ ألا نصلّيَ إلا هناك. وحين حان وقتُ الصلاة ونحن في الطريق، قالت جماعةٌ: لن نصليَ حتى نصل كما أُمِرنا. بينما رأت فئةٌ أخرى أن مقصودَ النبي كان سرعةَ التحرك وليس تأخيرَ الصلاة، فقاموا وأدوا الصلاةَ في الطريق. ولما ذُكر هذا الخلافُ أمام النبيِّ لاحقاً، لم يلمْ أحداً منهم.
استمر الحصارُ المضروب على حصون اليهود خمسةً وعشرين يوماً، حتى استسلمت القبيلةُ في نهاية المطاف.
