استمر عطاءُ ابنُ عمرَ في عهد الخليفةِ عثمانَ بنِ عفانَ، والذي امتد حكمُه اثني عشر عاماً. مضت السنواتُ الستُّ الأولى في هدوءٍ ورخاءٍ، لكنَّ الأيامَ اللاحقةَ حملت معها رياحَ الفتنِ؛ حيث أطلَّ الأعداءُ برؤوسهم، ونجحت مؤامراتُ المتربصين في إثارة القلاقلِ.
تفاقم الأمرُ في العام الثاني والثلاثين للهجرة، حين فُرِضَ الحصارُ على عثمانَ في داره. هدد المتمردون بقتلِ الخليفةِ، وساد المدينةَ جوٌّ كئيبٌ ومشحونٌ بالاضطراب. في تلك اللحظاتِ العصيبةِ، دخل ابنُ عمرَ على عثمانَ مسرعاً.
سأل ابنُ عمرَ بغضبٍ: ماذا يريد هؤلاء القومُ؟
أجاب الخليفةُ: يطالبونني أن أخلعَ نفسي من الخلافةِ، وإلا قتلوه.
ثارت ثائرةُ ابنُ عمرَ وسأل: أتملكُ الخلودَ في هذه الدنيا؟
قال عثمانُ: لا.
قال ابنُ عمرَ: وهل يملكون لك حكماً غيرَ القتلِ؟ قال: لا.
سأل: أيدخلونك جنةً أو ناراً؟ قال: لا.
حينها قال ابنُ عمرَ بلسان الحكمةِ: إذن، لا تنزعْ قميصَ الخلافةِ نزولاً عند رغبتهم، فإذا فعلتَ صار ذلك سنةً متبعةً؛ كلما كره قومٌ خليفتَهم أجبروه على العزلِ أو قتلوه.
لقد كانت كلماتُ ابنُ عمرَ تعبيراً عن حرصه على هيبة الدولةِ واستقرارها. وقف أمام عثمانَ معلناً ولاءه المطلقَ: يا أميرَ المؤمنين، قد صحبتُ رسولَ اللهِ وأطعتُه، وكنتُ مع أبي بكرٍ فسمعتُ له، وكنتُ مع أبي عمرَ فأطعتُه براً بوالدي ووفاءً ببيعتي. وها أنا أمامك، فمُرْني بما شئتَ أجبْك.
كان صوتُ ابنُ عمرَ يجهرُ بالاستعدادِ للمواجهةِ والحربِ، لكنَّ عثمانَ الذي كان يكرهُ سفكَ الدماءِ أجاب برفقٍ: جزاكم اللهُ خيراً يا آلَ عمرَ، لكني لا أريدُ أن يُراقَ دمٌ بسببي، فليس القتالُ من شأني اليوم.
حينها، وجد ابنُ عمرَ المتوشحُ بسلاحه نفسَه كمن فرغت كنانتُه من السهامِ أمام إصرار الخليفةِ على السلم. وتذكر كتبُ التاريخِ أنَّ ابنُ عمرَ لم يحمل السلاحَ بعد النبيِّ إلا في موطنين: الأول للدفاع عن عثمانَ، والثاني مع ابنِ الزبيرِ لدفعِ فتنةِ نجدةَ بنِ نافعٍ.
أراد عثمانُ أن يعلنَ للناس قراره النهائيَّ، فأمر الجميعَ بوضعِ السلاحِ ولزومِ البيوتِ وحقنِ الدماءِ، وعهد إلى ابنُ عمرَ بمهمةِ إبلاغِ هذا الأمرِ للناس. خرج ابنُ عمرَ والغمُّ يعلو وجهَه، وأخبر الناسَ بقرارِ الخليفةِ وهو يمسكُ سيفَه بقلبٍ حزينٍ.
وبعد برهةٍ، وبينما كان ابنُ عمرَ والحسنُ بنُ عليٍّ في الخارجِ، انتهز المتمردون الفرصةَ واقتحموا الدارَ، وقُتِلَ الخليفةُ المظلومُ صابراً محتسباً.
كان أولُ ما فعلَه الأعداءُ هو النيلُ من قدرِ الخليفةِ. ولأجلِ ذلك، حرضوا كثيرين على التحدثِ ضدَّ الخليفةِ. يقولُ ابنُ عمرَ: جاءني رجلٌ وقال: عليك أن تنتقدَ عثمانَ وتتحدثَ ضدَّه.
فكان ردي عليه كالآتي: لقد عشتُ في عهدِ النبيِّ ﷺ، وكنا نرى أن أفضلَ هذه الأمةِ بعد نبيها هو أبوبكرٌ، ثم عمرُ، ثم عثمانُ. لا، أنا لا أعلمُ ذلك، فما قتلَ عثمانُ أحداً بغيرِ حقٍّ، ولم يرتكبْ ذنباً عظيماً قطُّ.
أما قضيةُ المالِ، فإذا أعطاكم رضيتم، وإذا أعطى أقاربَه سخطتم. أيُّ منطقٍ هذا؟ إنكم تحاولون أن تكونوا مثلَ الفرسِ والرومِ، الذين إذا غضبوا على حاكمٍ لم يتركوه بل قتلوه. وعندما قال ابنُ عمرَ ذلك، اغرورقت عيناهُ، وسقطت أربعُ قطراتٍ من الدمعِ على الأرضِ وهو يقول: اللهم لا تجعلْ ذلك يحدثُ.
استمر ابنُ عمرَ في الدفاعِ عن الخليفةِ عثمانَ ضدَّ التهمِ حتى بعد وفاته. ويروي البخاريُّ قصةً في ذلك: أن رجلاً جاء من مصرَ للحجِ، فرأى جماعةً من الناسِ جالسين، فسأل: من هؤلاءِ؟ قيل له: هؤلاءِ قريشٌ. فسأل: من سيدُهم؟ قالوا: عبداللهُ بنُ عمرَ.
توجه الرجلُ إلى ابنِ عمرَ وقال: أريدُ أن أسألَك عن أشياءَ، فأجبني. وكانت أسئلتُه تدورُ حولَ الخليفةِ عثمانَ، وهي الشبهاتُ التي نشرها الأعداءُ في أنحاءِ العالمِ. سأل أولاً: أليس عثمانُ ممن فرَّ يومَ أحدٍ؟ قال ابنُ عمرَ: نعم.
ثم سأل: أليس صحيحاً أن عثمانَ لم يشهدْ بدراً؟ قال ابنُ عمرَ: نعم، هذا صحيحٌ. وسأل: أليس حقيقياً أنه غاب عن بيعةِ الرضوانِ؟ فأجاب ابنُ عمرَ: نعم، هذا صحيحٌ. فكبر الرجلُ فرحاً بصوتٍ عالٍ: الله أكبر!
أمسك ابنُ عمرَ بالرجلِ وأجلسَه وقال: سأوضحُ لك الأمرَ. أما فرارُه يومَ أحدٍ، فالحقيقةُ أن اللهَ قد عفا عنه عفوًا عظيماً. ففي تلك الظروفِ الصعبةِ تراجعَ معظمُ الناسِ، وقد غفرَ اللهُ لهم جميعاً.
وأما غيابُه عن بدرٍ، فكان بسببِ مرضِ زوجتِه، وهي ابنةُ النبيِّ ﷺ، فأمرَه النبيُّ بالبقاءِ لتمريضِها. وبعد المعركةِ قال له النبيُّ ﷺ: إن لك أجرَ من شهد بدراً وسهمَه.
أما عن البيعةِ، فقد أرسلَه النبيُّ إلى مكةَ رسولاً، فبايعَ النبيُّ عنه، حيث وضع يدَه اليمنى على اليسرى وقال: هذه يدُ عثمانَ. ثم قال ابنُ عمرَ للسائلِ: ها قد سمعتَ التوضيحَ، يمكنك الآن الذهابُ. فخرج الرجلُ المصريُّ وقد هدأت نفسُه.
كان ابنُ عمرَ يقولُ: إن الناسَ انتقدوا عثمانَ في أمورٍ لو فعلها عمرُ لما تجرأ أحدٌ على انتقادِه. وسألَه رجلٌ يوماً عن عثمانَ وعليٍّ، أيهما أفضلُ؟
فغضب ابنُ عمرَ رداً على هذا السؤالِ وقال: ويحَك! تسألني عن رجلين هما أطهرُ مني؟ أتريدني أن أنقصَ من قدرِ أحدهما وأرفعَ الآخرَ؟ اذهب من أمامي، فلن أفعلَ ذلك.
