بعد استشهاد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، تعالى التساؤل: من سيخلفه؟ في خضم تلك الأحداث، حاول المتمردون اختيار الخليفة القادم بأنفسهم، فتوجهوا إلى ابن عمر رضي الله عنهما قائلين: أنت سيد الناس وابن سيدهم، والناس يحبونك، فابرز لنا لنبايعك علانية. لكن ابن عمر ثبت على موقفه وقال: لا والله، لا أريد أن يُهراق بسببي ملء قدح من دمٍ، ولا أحب أن يسفك دمُ امرئٍ مسلمٍ ما دام فيّ عرق ينبض. فانصرفوا عنه يائسين مؤقتا.
لكنهم عادوا إليه مرة أخرى، وهذه المرة بلغة التهديد، وتلك هي شيمة المتطرفين. صاحوا في وجهه: اخرج للبيعة وإلا قتلناك على فراشك هذا! غير أن ابن عمر لم يرتجف، بل أخرج ما في جبهته من صمود وقال: افعلوا ما شئتم، فإني لا أقبل هذا الأمر. ويروي الحسن البصري هذا الموقف قائلا: إنهم لم ينالوا من ابن عمرَ خدشة واحدة حتى مات، واضطروا للتراجع عنه أمام قوة يقينه.
وبعد مداولات عديدة، تقدم عليُّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لتولي الخلافة، لكن الفتن لم تهدأ، واستمر التوتر في بقاع شتى، واندلعت حروب داخلية مؤسفة. في هذه الأجواء، وقف ابن عمرُ متحيرا، فقرر اعتزال الفتنة وعدم الانحياز لأي طرف، إذ كره أن يرفع سلاحَه في وجه مسلم، بل كان يرى أن بيع السلاح في أيام الفتن أمر غير جائز. وهكذا اعتزل ابن عمرُ موقعتي الجمل وصفين.
كان علي رضي الله تعالى عنه يتمنى بشدة أن يكون ابن عمر معه، فجاءه يوما وقال: يا ابن عمر، إنك محبوب لدى الناس، فتوجه إلى الشام وتولَّ الإمارة هناك. فكان رد ابن عمر: استعطفك بحق قرابتنا وصداقتنا ومودتنا أن تعفيني من هذا الأمر. شعر عليٌّ أن كلمات ابن عمر كانت رجاء حارا، فلم يضغط عليه حينها وعاد صامتا.
أدرك عليٌّ أن وجود ابن عمر في الشام سيكون نافعا لقوة تأثيره وقبوله لدى أهلها، فحاول إقناعه بالذهاب مرة أخرى. هنا استعان ابن عمر بأخته حفصة رضي الله عنها (أم المؤمنين) لتقنع عليا بالعدول عن طلبه، لكن عليا لم يتراجع. وعندما أحس ابن عمر بمحاصرته بالطلب، لم يجد بدا من الرحيل سرا نحو مكة.
وعندما علم الناس برحيله، ظن بعضهم أنه توجه نحو الشام، فبعث عليٌّ فارسا خلفه ليلحق به. وحين علمت حفصة بالأمر، أوضحت لعليٍّ أنه لم يخرج إلى الشام بل قصد مكة. لقد كان خروجه فرارا من الفتنة لا رغبة في السلطة، وعندما أدرك عليٌّ حقيقة موقفه، كف عن ملاحقته.
موقف ابن عمر من الفتن الداخلية
في زمن اندلعت فيه الحروبُ الأهليةُ، جاء الناسُ إلى ابن عمرَ رضي الله عنهما يسألونه: ألا تخرج للقتال؟ فأجابهم: لا، لن أخرج. لقد خضتُ معارك كافيةً كانت سبباً في طرد الكفرِ من هذه البلاد، أما اليوم، فلا رغبة لي في محاربة من يعلن أن لا إله إلا الله.
فلما سمع الناسُ منطقَه، قالوا له: تالله، ما هذا الرأيُ الذي تراه؟ أتريد أن يفنى أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالقتل فيما بينهم، ثم تبقى أنت وحيداً ليقولَ الناسُ: ولّوا عبدَ الله بن عمرَ أمرَ المؤمنين؟ أهذا هو مرادُك؟ صُدم ابن عمرُ من سوء ظنهم، فقال مستنكراً: ليس لي في هذا مأربٌ، إن كنتم تدعونني إلى الفلاحِ الأبدي فإني أجيب، أما إن تفرقتم فلا أقدر على جمعكم، وإن اجتمعتم فلا أقدر على فراقكم.
مضى ابن عمرُ متمسكاً بهذا الموقفِ في بداية الأمر، غير أن بعض المؤرخين ذكروا أنه أبدى ندمَه لاحقاً على هذا القرار، حيث رُوي عنه قوله: ما آسى على شيء من أمري ما آسى أني لم أقاتل مع عليٍّ رضي الله عنه ضد الفئة الباغية.
والحقيقة أن ابن عمرَ لم يكن مخطئاً في جوهر أمره، بل كان يعيش صراعاً نفسياً بين واجب طاعةِ الخليفةِ وبين كراهيته لرؤية المسلمين يتواجهون بالسلاحِ. لقد اختار العزلةَ تغليباً لمبدأ السلامة، وما ميله للاعتزال إلا انعكاس لقلبه المليء بالمودة والرحمة تجاه أمةِ الإسلام.
