كان ابنُ عمرَ شجاعاً مقداماً، فقد استقى دروسَ الثباتِ الأولى من أبيه عمرَ بنِ الخطابِ. وكما ذكرنا سابقاً، فقد بدت رغبتُه في الجهادِ منذ صباه، حتى خاض الغمارَ وهو في الخامسةَ عشرةَ من عمره، فأظهر بأساً شديداً في معارك عديدةٍ وهزم أعداءً كثرًا.
وفي بعض الفترات، كان النبيُّ يكلفُ ابنَ عمرَ بحراسةِ المدينةِ وقت الحربِ، وكان معه أسامةُ والبراءُ وزيدُ بنُ أرقمَ وزيدُ بنُ ثابتٍ. فكان هذا الجيشُ الصغيرُ يتوشحُ السلاحَ ليحمي النساءَ والأطفالَ في المدينةِ، مما أدخل السرورَ على قلبِ النبيِّ.
كان ابنُ عمرَ رياضياً ماهراً، وقد شارك في سباقاتِ الخيلِ ليبرهنَ على قوتِه. ويروي عن سباقٍ نظمه النبيُّ بدأ من ثنيةِ الوداعِ وانتهى عند مسجدِ بني زريقٍ، ويذكر ابنُ عمرَ ذلك بحماسٍ قائلاً: شاركتُ بلهفةٍ فاندفع فرسي بقوةٍ حتى وثب بي عند المسجدِ.
شارك ابنُ عمرَ في غزوةِ الخندقِ وهو فتى، ثم شهد في عهد الخلفاءِ فتوحاتِ اليرموكِ ومصرَ وإفريقيا مقاتلاً ومبلغاً للدينِ. وتُروى عنه قصةٌ مثيرةٌ في العراقِ حين صرع أحدَ رماةِ الأعداءِ في مبارزةٍ ثنائيةٍ.
وفي موقعةِ نهاوندَ الشرسةِ، أصيب ابنُ عمرَ بمرضِ العصبِ عرق النسا، فعانى ألما شديداً اضطره لمداواةِ نفسه، فأخذ ثوماً وعقده بخيطٍ وطبخه ثم تناوله، فوجد في ذلك راحةً. ورغم ألمه، لم يتراجع قط، بل واصل القتالَ بكل ما أوتي من عزمٍ حتى اضطرب العدوُّ أمام ثباته الإيمانيِّ.
كان مفهومُ الجهادِ عند ابنِ عمرَ فريداً؛ فالبدايةُ تكون بجهادِ النفسِ، وهو ما أمر به النبيُّ ولكن يغفلُ عنه الكثيرُ. أما ابنُ عمرَ، فقد جعل محاربةَ الهوى هي الأولويةَ، مؤكداً أن النصرَ في المعاركِ الحقيقيةِ يبدأ من هناك.
ذات مرة، جاء رجلٌ يتفاخرُ قائلاً: سأبيعُ نفسي للهِ، وسأقاتلُ حتى أُقْتَلَ. فرد عليه ابنُ عمرَ: وهل أنت مستعدٌ للوفاء بالبشرى؟ تحيّرَ الرجلُ وسأل عن ماهيةِ تلك الشروطِ، فقرأ عليه ابنُ عمرَ آيةً من سورةِ التوبةِ: التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين.
كانت رسالةُ ابنِ عمرَ واضحةً: لكي تنتصرَ في معركتِكَ البدنيةِ ضد العدوِّ، لا بد أن تنتصرَ أولاً في معركتِكَ النفسيةِ مع ذاتِكَ. ومع مرورِ الزمنِ وتحولِ النزاعاتِ إلى فتنٍ داخليةٍ، آثر ابنُ عمرَ الاعتزالَ وتفرغَ لنشرِ العلمِ والعبادةِ؛ فقد كان نضالُه دوماً من أجلِ الحقِّ لا من أجلِ السلطةِ.
