كانت السَّنةُ الحاديةَ عشرةَ للهجرة هي العامُ الذي فُجِعَ فيه المسلمون برحيلِ النبيِّ ﷺ. في هذا الوقت العصيب، تَوَلَّى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ الـخِلَافَةَ، ووَجَدَ نَفْسَهُ أَمَامَ تَحَدِّيَاتٍ جَسِيمَةٍ.
كان أشدُّ المخاطرِ التي وَاجَهَتِ الدَّولَةَ هي حَرَكَةُ الرِّدَّةِ التي انتشرت في قبائلِ العربِ. فامتنع بَعْضُهُمْ عن أداءِ الزَّكَاةِ المَفْرُوضَةِ، بينما ادَّعَى آخَرُونَ النُّبُوَّةَ.
يقول ابن عمر رضي الله عنهما: بَعْدَ وَفَاةِ النبيِّ ﷺ، ظَهَرَ النِّفَاقُ في المدينةِ، وارتدَّتْ بَعْضُ قَبَائِلِ العَرَبِ. فجمع أَبُو بَكْرٍ الـمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ لِـمُشَاوَرَتِهِمْ.
قال الصديق: إنَّ العَرَبَ مَنَعُوا زَكَاةَ أَغْنَامِهِمْ وَإِبِلِهِمْ وكأنهم ارتدوا عن الدِّين. فما رأيكم؟ إنما أنا رَجُلٌ منكم.
ساد الصمتُ لـحَظَاتٍ، ثم قام عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وقال: يا خليفةَ رسولِ الله، ارفقْ بالعربِ ورَكِّزْ الآنَ على الصَّلَاةِ فقط، واتركْ مَوْضُوعَ الزَّكَاةِ مؤقتاً، فلعلَّ اللهَ يَهْدِيهِمْ للصوابِ. فلا أرى لنا طَاقَةً بِمُحَارَبَةِ العربِ كَافَّةً.
لم يَرُدَّ أَبُو بَكْرٍ على عُمَرَ، بل التفت إلى عُثْمَانَ ثم عَلِيٍّ، فَوَجَدَ عِنْدَهُمَا نَفْسَ الرَّأْيِ. حينها تَغَيَّرَ وَجْهُ الصِّدِّيقِ غضباً لله، وصعد الـمِنْبَرَ، وحَمِدَ اللهَ ثم قال: بَعَثَ اللهُ مُحَمَّداً ﷺ بِالحَقِّ، وإنَّ قَوْماً يريدون الرُّجُوعَ عن الدِّينِ وامتنعوا عن الزكاة. وَاللهِ، لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلى رَسُولِ اللهِ لَقَاتَلْتُهُمْ عليه ما دامتِ الرُّوحُ في جَسَدِي. إنَّ اللهَ لم يُفَرِّقْ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ.
حين سَمِعَ عُمَرُ هذا الحزمَ، انشرح صَدْرُهُ لِلْحَقِّ، وكَبَّرَ مُعْلِناً دَعْمَهُ الكَامِلَ لِقَرَارِ الخَلِيفَةِ، وتَبِعَهُ الصَّحَابَةُ جميعاً في ذلك.
بُطُولَةٌ فِي مَعْرَكَةِ اليَمَامَةِ
كَانَ آخِرُ قَرارٍ اتَّخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ تَجْهِيزُ جَيْشِ أُسَامَةَ، وَلَكِنَّ الرَّسُولَ رَحَلَ قَبْلَ أَنْ يَنْطَلِقَ الجَيْشُ. وَبِمُجَرَّدِ أَنْ تَوَلَّى أَبُو بَكْرٍ الـخِلَافَةَ، كَانَ أَوَّلُ عَمَلٍ قَامَ بِهِ هُوَ إِنْفَاذُ جَيْشِ أُسَامَةَ تَنْفِيذاً لِوَصِيَّةِ النَّبِيِّ. وَقَدْ شَارَكَ ابْنُ عُمَرَ فِي هَذَا الـجَيْشِ مُقَاتِلاً.
تَبْقَى ذِكْرَى مَعْرَكَةِ اليَمَامَةِ ضِدَّ كَذَّابِ بَنِي حَنِيفَةَ مُسَيْلِمَةَ حَاضِرَةً فِي ذِهْنِ ابْنِ عُمَرَ. فَقَدْ حَشَدَ مُسَيْلِمَةُ جَيْشاً ضَخْماً قِوَامُهُ أَرْبَعُونَ أَلْفاً، مُسْتَغِلاً النَّعْرَةَ القَبَلِيَّةَ. حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: كَذَّابُ رَبِيعَةَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ صَادِقِ مُضَرَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَدَى تَجَذُّرِ العَصَبِيَّةِ آنَذَاكَ.
شَارَكَ ابْنُ عُمَرَ فِي هَذِهِ الـمَعْرَكَةِ طَلَباً لِلشَّهَادَةِ. وَيَتَذَكَّرُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أُصِيبَ هُوَ أَبُو عُقَيْلٍ الأَنْصَارِيُّ، حَيْثُ أَصَابَهُ سَهْمٌ بَيْنَ كَتِفِهِ وَقَلْبِهِ. نُقِلَ أَبُو عُقَيْلٍ إِلَى الـخَيْمَةِ بَعْدَ أَنْ ضَعُفَ شِقُّهُ الأَيْسَرُ، بَيْنَمَا احْتَدَمَ القِتَالُ وَتَرَاجَعَ بَعْضُ الـمُسْلِمِينَ تَحْتَ ضَغْطِ العَدُوِّ.
بَيْنَمَا كَانَ أَبُو عُقَيْلٍ جَرِيحاً، سَمِعَ مَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ يُنَادِي: يا لَلْأَنْصَارِ، كَرَّةً عَلَى عَدُوِّكُمْ. حَاوَلَ أَبُو عُقَيْلٍ النُّهُوضَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: مَاذَا تُرِيدُ يَا أَبَا عُقَيْلٍ؟ لَيْسَ عَلَيْكَ قِتَالٌ وَأَنْتَ جَرِيحٌ.
أَجَابَ أَبُو عُقَيْلٍ: إِنَّ الـمُنَادِيَ يَدْعُو بِاسْمِي. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّمَا يَدْعُو الأَنْصَارَ بِشَكْلٍ عَامٍّ. فَرَدَّ البَطَلُ: أَنَا مِنَ الأَنْصَارِ، وَسَأُجِيبُ وَلَوْ حَبْواً. استلَّ سَيْفَهُ بِيَمِينِهِ وَصَرَخَ: يَا أَنْصَارُ، أَعِيدُوا كَرَّةَ حُنَيْنٍ. فَتَحَمَّسَ الـمُسْلِمُونَ وَهَجَمُوا هَجْمَةً رَجُلٍ وَاحِدٍ.
يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ: رَأَيْتُ أَبَا عُقَيْلٍ فِي المَيْدَانِ وَقَدْ قُطِعَتْ يَدُهُ، وَبِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جُرْحاً. وَكَانَ يَلْفِظُ أَنْفَاسَهُ الأَخِيرَةَ بَعْدَ مَقْتَلِ مُسَيْلِمَةَ. سَأَلَنِي: مَنْ غَلَبَ؟". قُلْتُ: أَبْشِرْ، فَقَدْ قُتِلَ عَدُوُّ اللهِ. فَرَفَعَ يَدَهُ حَامِداً اللهَ ثُمَّ فَارَقَ الـحَيَاةَ. حِينَ أَخْبَرْتُ أَبِي أي عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ بِذَلِكَ، قَالَ: رَحِمَ اللهُ أَبَا عُقَيْلٍ، سَأَلَ الشَّهَادَةَ فَنَالَهَا، لَقَدْ كَانَ خِيَارَ مَنْ أَسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ.
بُطُولَةُ عَمَّارٍ وَاسْتِشْهَادُ زَيْدٍ
وَمِمَّنْ يَتَذَكَّرُهُمُ ابْنُ عُمَرَ فِي مَعْرَكَةِ اليَمَامَةِ: عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ. فَقَدْ رَآهُ وَاقِفاً عَلَى صَخْرَةٍ فِي وَسَطِ الـمَعْرَكَةِ، يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الـمُسْلِمِينَ، أَمِنَ الجَنَّةِ تَفِرُّونَ؟ أَنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، إِلَيَّ هَلُمُّوا.
يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ: نَظَرْتُ إِلَيْهِ وَقَدْ قُطِعَتْ أُذُنُهُ، وَهِيَ تَذْبُلُ وَتَضْطَرِبُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُقَاتِلُ بِبَسَالَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ الأَلَمُ عَنْهَا.
فِي هَذِهِ الـمَعْرَكَةِ، نَالَ زَيْدُ بْنُ الخَطَّابِ أي عَمُّ ابْنِ عُمَرَ الشَّهَادَةَ. وَحِينَ عَادَ ابْنُ عُمَرَ سَالِماً، سَأَلَهُ أَبُوهُ عُمَرُ: سَبَقَكَ زَيْدٌ إِلَى الشَّهَادَةِ، وَأَنْتَ لَا تَزَالُ حَيًّا؟ كَيْفَ ذَلِكَ؟.
أَجَابَ ابْنُ عُمَرَ بِكُلِّ صِدْقٍ: اخْتَارَهُ اللهُ لِلشَّهَادَةِ، وَأَكْرَمَهُ بِـهَذَا الـفَضْلِ. لَقَدْ طَلَبْتُ نَفْسَ الـمَقَامِ وَتَمَنَّيْتُهُ، وَلَكِنَّ اللهَ لَمْ يَكْتُبْ لِي ذَلِكَ، فَمَاذَا أَفْعَلُ؟.
