عاصرَ ابنُ عمرَ عهودَ عليٍّ ومعاويةَ والحسنِ ويزيدَ ومروانَ وعبدِ الملكِ وابنِ الزبيرِ، لكنَّ نهجَهُ كان فريدًا؛ فقد رفعَ شعارَ الوحدةِ ونبذِ الفرقةِ، وحرَّمَ رفعَ السلاحِ بينَ المسلمينَ.
أعلنَ ابنُ عمرَ موقفَهُ صراحةً فقال: إذا دعيتموني إلى الفلاحِ أجبتُ، وإذا ناديتُم للصلاةِ لبيتُ، أما إذا قلتم تعالَ لِتقتلَ أخاكَ المسلمَ أو تسلبَ مالَهُ، فلا تجدونني هناكَ.
طرقتِ الخلافةُ بابَهُ مرارًا، لكنَّهُ لم يفتحْ لها. وفي عامِ سبعةٍ وثلاثين للهجرةِ، اجتمعَ كبارُ الصحابةِ كابنِ الزبيرِ والمغيرةِ بنِ شعبةَ وغيرِهم، ورأوا أنَّ الأنسبَ لتولي الأمرِ هو عبدُ اللهِ بنُ عمرَ.
قام أبو موسى الأشعريُّ وقال: لا أرى لهذا الأمرِ غيرَ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ. عندها وجَّهَ عمرو بنُ العاصِ حديثَهُ لابنِ عمرَ قائلًا: هل أغراكَ أحدٌ بالمالِ لتتركَ هذه المسؤوليةَ؟ لقد قال ذلكَ ليعرفَ مدى زهدِهِ وصلابتِهِ.
غضبَ ابنُ عمرَ، فتدخلَ ابنُ الزبيرِ يهدئُهُ موضحًا أنَّ عَمْرًا يقصدُ عرضَ المالِ مقابلَ قبولِ البيعةِ. فصاح ابنُ عمرَ بعمروٍ، فاعتذرَ عمروٌ قائلًا: إنما كنتُ أختبرُكَ. حينها هدأَ ابنُ عمرَ وأقسمَ: واللَّهِ لا أدفعُ شيئًا ولا آخذُهُ، ولا أقبلُ هذا الأمرَ إلا بإجماعِ المسلمينَ ورضاهم.
انتهى النقاشُ ولم يكتملْ، ولو تمَّتِ البيعةُ لابنِ عمرَ لكان خليفةً، ولتجنبَ المسلمونَ فتنًا كثيرةً؛ وهذا هو رأيُ الإمامِ الذهبيِّ.
لقد كان ابنُ عمرَ شخصيةً مجمعًا عليها، ومع ذلك آثرَ الصمتَ في مواقفَ كثيرةٍ حقنًا للدماءِ. وفي إحدى المراتِ، همَّ أن يردَّ على خطيبٍ متسلطٍ، لكنه تراجعَ وعادَ إلى بيتِهِ. فسأله حبيبُ بنُ مسلمةَ: لِمَ لم تَرُدَّ عليهِ؟ فأجابَ: خشيتُ أن يؤديَ كلامي إلى فتنةٍ وسفكِ دماءٍ، وقد آثرتُ الجنةَ على الجدالِ.
كان هَمُّ ابنِ عمرَ سلامةَ الناسِ ووحدةَ الأمةِ. وقد شارك في أحداثِ دومةِ الجندلِ، وكان لرأيِ أختِهِ أمِّ المؤمنينَ حفصةَ أثرٌ كبيرٌ في موقفِهِ؛ حيث قالت لهُ: إنكَ صهرُ النبيِّ وابنُ عمرَ، فاحرصْ على وحدةِ المسلمينَ. فلم يمنعْهُ كبرياؤُهُ من قَبولِ النصيحةِ.
في عامِ تسعةٍ وأربعين للهجرةِ، دعا معاويةُ إلى الجهادِ، وكان عمرُ ابنِ عمرَ حينها ستينَ عامًا. ورغمَ كبرِ سنِّهِ، لم يترددْ بل لبَّى النداءَ بكلِّ قوةٍ وعزيمةٍ.
انطلقت تلكَ الحملةُ نحو الرومِ حتى بلغتِ القسطنطينيةَ، وكان ابنُ عمرَ في مقدمةِ الصفوفِ. لقد كانت تلكَ الغزوةُ تحقيقًا لبشرى النبيِّ صلى الله عليه وسلم حين قال: أولُ جَيْشٍ من أمتي يغزونَ مدينةَ قيصرَ مغفورٌ لهم. فكان ابنُ عمرَ جزءًا من ذلكَ الجيشِ الذي نالَ المغفرةَ بعدَ بلاءٍ حسنٍ.
