اجتمعَ في غرفةٍ واحدةٍ أربعةُ رجالٍ من خيرةِ الناسِ: مُصعبُ بنُ الزبيرِ، وعروةُ، وعبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ. تذاكروا فيما بينهم، ثم قالوا: "ليتمنَّ كلُّ واحدٍ منكم أمنيتَه."
فقالَ ابنُ الزبيرِ: "أما أنا، فأتمنى الخلافةَ؛ لأخدمَ البلادَ والعبادَ."
وقالَ عروةُ: "أتمنى أن ينهلَ الناسُ من علمي."
وقالَ مُصعبُ: "أرجو ولايةَ العراقِ، وأن أجمعَ بينَ عائشةَ بنتِ طلحةَ وسكينةَ بنتِ الحسينِ."
جاءَ دورُ ابنِ عمرَ، فقالَ بيقينٍ:
"أما أنا، فأرجو مغفرةَ ربِّ العالمينَ."
ومرتِ الأيامُ، ونالَ كلُّ واحدٍ منهم ما تمنى، ونالَ ابنُ عمرَ مغفرةَ اللهِ بإذنِه. كانت دعواتُ ابنِ عمرَ للهِ متميزةً دائمًا؛ فقد كانَ يرى الدعاءَ لذةً وعبادةً، وهو الذي روى عن النبيِّ ﷺ الحديثَ الشهيرَ: "إنَّ الدعاءَ ينفعُ مما نزلَ ومما لم ينزلْ
اشتهرَتْ أدعيةُ ابنِ عمرَ في مواقفَ شتى. وكانَ يقولُ: "كانَ النبيُّ ﷺ لا يقومُ من مجلسٍ إلا واستغفرَ اللهَ مائةَ مرةٍ قائلًا: ربِّ اغفرْ لي وتُبْ عليَّ، إنكَ أنتَ التوابُ الرحيمُ."
وعلى الرغمِ من شدةِ ورعِه، إلا أنَّ الخوفَ من الذنبِ كانَ يسكنُ قلبَه. فكانَ يدعو دائمًا: اللهمَّ اقسمْ لنا من خشيتِكَ ما تحولُ بهِ بيننا وبينَ معصيتِكَ. وكانَ يتضرعُ إلى اللهِ ليكونَ في طليعةِ أهلِ الخيرِ، ومن دعواتِه:
"اللهمَّ اجعلْ لي من كلِّ خيرٍ نصيبًا وافرًا من عندِكَ
كانَ الناسُ يتدافعونَ نحو ابنِ عمرَ ليدعوَ لهم، لكنَّه كانَ يتورعُ حياءً وتواضعًا، فيكتفي بدعواتٍ قليلةٍ ثم ينصرفُ. كانَ رقيقَ القلبِ، سريعَ الدمعةِ؛ فإذا قرأَ القرآنَ غلبَه البكاءُ. وعندما مرَّ بآيةِ: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ، بكى بكاءً مريراً. وبكى حتى غُشيَ عليهِ حينَ تلا آيةَ: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. لقد هزَّتْ آياتُ الحسابِ كيانَه، فكانت دموعُه تبللُ لحيتَه.
ولم يكن بكاؤُه عند قراءتِه هو فحسب، بل كانَ يتأثرُ بقراءةِ غيرِه أيضاً. ذاتَ مرةٍ، قُدِّمَ لهُ ماءٌ باردٌ، فلما شربَه استعبرَ وبكى بكاءً شديداً. سألهُ سائلٌ: "ما يبكيكَ؟"
فأجابَ: "تذكرتُ آيةً في كتابِ اللهِ تقولُ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾، وهي في شأنِ أهلِ النارِ."
قالَ ابنُ عمرَ موضحاً: "لقد تمثلتُ أمامَ عينيَّ مشهدَ أهلِ النارِ وهم يشتهونَ الماءَ، وقد أخبرَ القرآنُ عن استغاثتِهم وطلبِهم لهُ، فرحمتُ حالَهم وبكيتُ."
بشّرَ النبيُّ ﷺ بأنَّ عينينِ لا تمسهما النارُ: عينٌ بكتْ من خشيةِ اللهِ، وعينٌ باتتْ تحرسُ في سبيلِ اللهِ. وقد نالَ ابنُ عمرَ الفضلينِ معاً؛ فقد بكتْ عيناهُ كثيراً، وقضى شهوراً مرابطاً يحرسُ الثغورَ في سبيلِ اللهِ.
حتى قصصُ السابقينَ كانت تبكيهِ. يروي يوسفُ بنُ ماهكٍ قائلًا: "ذهبتُ مع ابنِ عمرَ إلى عبيدِ بنِ عميرٍ، وكانَ الأخيرُ يقصُّ الأخبارَ على أصحابِه. فجلسَ ابنُ عمرَ يستمعُ إليهِ، فنظرتُ إليهِ فإذا عيناهُ تفيضانِ من الدمعِ.”
