كان عمرُ بنُ الخطابِ حريصاً كلَّ الحرصِ على ألا يحظى ابنُه عبدُ اللهِ بأي ميزةٍ أو محاباةٍ في المجتمع لكونه ابنَ الخليفةِ. ذات مرة، اشترى عبدُ اللهِ إبلاً وأرسلها ترعى في المرعى العام مع إبل المسلمين، فسمِنت وكبرت. وعندما دخل عمرُ السوقَ، رأى إبلاً سمينةً متميزةً، فسأل: لمن هذه الإبلُ؟ فأجابه الناسُ: هي لعبدِ اللهِ بنِ عمرَ.
حينها قال عمرُ متهكماً: بخٍ بخٍ، يا ابنَ الخليفةِ! لقد سمِنت إبلُك. فجاء عبدُ اللهِ يوضح الأمرَ قائلاً: يا أميرَ المؤمنين، لقد اشتريتها وهي هزيلةٌ، وأرسلتها إلى المرعى لتسمنَ كغيرها. فقال عمرُ بحزم: سيقولُ الناسُ اسقوا إبلَ ابنِ الخليفةِ، أرعوا إبلَ ابنِ الخليفةِ، وبذلك تسمن إبلُك أكثر من غيرها. يا عبدَ اللهِ، خذ رأسَ مالِك الذي دفعته، وردَّ الربحَ الزائدَ إلى بيتِ مالِ المسلمين. ولم يكن أمام الابنِ خيارٌ سوى الامتثالِ لأمر والده.
تكرر هذا الحزمُ في واقعةِ غنائمِ جلولاء، وهي قرية قرب بغداد. اشترى ابنُ عمرَ هناك بضائعَ من غنائم الحرب بمبلغ أربعين ألف درهم، وكان سعراً عادلاً وشفافاً تحت إشراف القائدِ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ. وعندما علم عمرُ بذلك في المدينة، استدعى ابنَه وسأله سؤالاً مباشراً: يا عبدَ اللهِ، لو سِيقَ أبوك إلى النار، أفدَيْتَه بمالك؟ فأجاب عبدُ اللهِ: نعم والله، أفديك بكل ما أملك.
فقال عمرُ: إني أرى أن الناسَ حين بايعوك في جلولاء، راعوا أنك ابنُ أميرِ المؤمنين وصاحبُ رسولِ اللهِ، فلعلك نلتَ تخفيضاً لا يناله غيرُك من قريش. ثم توجه عمرُ إلى صفيةَ بنتِ عبيدٍ، زوجةِ ابنِه، وأمرها بإخراج كل ما في البيت من تجارة جلولاء حتى قوارير العطر، فقالت صفيةُ وهي تعلم حزمَ الفاروق: افعل ما شئت يا أميرَ المؤمنين.
يروي ابنُ عمرَ أن والده تركه سبعة أيام، ثم استدعاه وقال: يا عبدَ اللهِ، إني أخشى السؤالَ يوم القيامة، لذا فقد بِيعَتِ البضاعةُ بأربعمائة ألف درهم، سأعطيك منها ثمانين ألفاً فقط (وهو ربح معقول)، وأرسل الباقي (ثلاثمائة وعشرين ألفاً) إلى سعدِ بنِ أبي وقاصٍ ليوزعها على أبطال المعركة أو ورثتهم. لقد كان عمرُ يرى أن نزاهةَ الحاكمِ تبدأ من انضباطِ أسرته.
الورعُ في مالِ المسلمين
ذات مرة، خرج عبدُ اللهِ وأخوه عبيدُ اللهِ في مهمةٍ عسكريةٍ إلى العراق، وفي طريق عودتهما مرا بأبي موسى الأشعريِّ، وكان حينذاك والياً على البصرة. استقبلهما أبو موسى بحفاوةٍ بالغةٍ، وعرض عليهما فكرةً قائلاً: عندي مالٌ أريدُ إرسالَه إلى أميرِ المؤمنين، فما رأيكما أن أقرضكما هذا المالَ؟ تشتريان به بضائعَ من العراق وتبيعانها في المدينة، فتستفيدان من الربح وتؤديان الأصلَ إلى الخليفة.
استحسن الأخوانِ الفكرةَ، فكتب أبو موسى كتاباً إلى عمرَ يخبره بذلك. وبالفعل، بذل الأخوانِ جهداً كبيراً في تجهيز البضائع ونقلها إلى المدينة، حيث بيعَتِ التجارةُ بربحٍ وفيرٍ، ثم توجها إلى عمرَ لتسليم المبلغ الأصلي.
استفسر عمرُ عن تفاصيل الأمر وسأل: أكلُّ الجيشِ نال مثلَ هذا القرضِ من أبي موسى؟ فأجابا: لا. فتغير وجهُ عمرَ وقال: إذن نلتما هذا الامتيازَ لكونكما ابنيْ أميرِ المؤمنين! ضعوا المالَ والربحَ كله في بيتِ المالِ.
لزم عبدُ اللهِ الصمتَ، لكنَّ عبيدَ اللهِ لم يسكت بل قال بجرأة: يا أميرَ المؤمنين، لا أرى ذلك عدلاً؛ فالبضائعُ حُمِلَت على مسؤوليتنا، ولو ضاعت أو تلفت لَضَمِنَّا المالَ من جيوبنا ولما تحملتَ أنت الخسارةَ. غير أنَّ عمرَ أصرَّ على موقفه بضرورة تسليم الأرباح.
بينما احتدم النقاشُ، تدخل رجلٌ من الحاضرين مقترحاً: يا أميرَ المؤمنين، لو جعلتَها (قِراضاً)؛ أي شركة مساهمة، فيكون نصفُ الربحِ للدولة ونصفُه الآخرُ لابنيْ عمرَ جزاءَ جهدهما وتعبهما.
استحسن عمرُ هذا الحلَّ العادلَ، ومنذ ذلك الحين عُرِفَ هذا النوعُ من التعامل التجاري في التاريخ الإسلامي باسم القراض أو المضاربة. لقد كان عمرُ يهدف من كل ذلك إلى غرسِ قيمِ النزاهةِ والدقةِ في نفوس أبنائه، ليعلموا أنَّ حقَّ الأمةِ فوق كل اعتبار.
