يُعد فتحُ مكةَ فصلاً مشرقاً في التاريخ الإسلامي؛ فهو يومٌ استعاد فيه النبيُّ الكريمُ وصحابتُه ديارَهم سلماً دون إراقة دماء، في مشهد نصرٍ لا مثيلَ له في التاريخ.
كان ابنُ عمرَ حينذاك في العشرين من عمره، في سنٍّ يتفجرُ بالشباب والحيوية. ظهر عبدُ اللهِ على ظهر فرسٍ صغيرٍ لا يتجاوز عمرُه أحد عشر شهراً، يحمل رمحاً ثقيلاً، ويلتحف ببردةٍ ضيقةٍ لا تكاد تسترُ جسدَه.
رأى النبيُّ عبدَ اللهِ وهو يجمعُ العشبَ لفرسه، فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال مشجعاً: يا عبدَ اللهِ، يا عبدَ اللهِ، نِعِمّا صنعْتَ، نِعِمّا صنعْتَ. كان ذلك ثناءً نبوياً غالياً في حق الشاب عبدِ اللهِ.
ظلت ذكرياتُ الفتحِ متوقدةً في وجدان ابنِ عمرَ، فقد كان يرقبُ حركاتِ النبيِّ بدقةٍ متناهية، حتى إنه حفظ الطريقَ الذي سلكه الرسولُ لدخول مكةَ بعنايةٍ شديدة.
يتذكر ابنُ عمرَ جيداً كيف استقبلت النساءُ خيولَ المسلمين بلطم الوجوه، حينها تبسم النبيُّ ونظر إلى أبي بكرٍ الصديقِ، وكان ابنُ عمرَ يحفظُ حتى الشعرَ الذي أنشده أبو بكرٍ في تلك اللحظة.
يروي ابنُ عمرَ: حين دخل النبيُّ مكةَ، كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً. فأخذ رسولُ اللهِ يشير إليها بِعصاً صغيرةٍ وهو يتلو: جاء الحقُّ وزهق الباطلُ إن الباطلَ كان زهوقاً. فكانت الأصنامُ تتساقطُ تبعاً لإشاراته، دون أن يَمَسَّ النبيُّ أيَّ صنمٍ منها بتلك العصا.
لقد تتبع ابنُ عمرَ خطى النبيِّ في كل مراحل الرحلة، رغبةً منه في الاقتداء به في شؤون حياته كافة.
دخل النبيُّ مكةَ وقد أردف خلفَه أسامةَ بنَ زيدٍ، وبرفقتِه عثمانُ بنُ طلحةَ، سادنُ الكعبة وحاملُ مفتاحِها. أناخ النبيُّ ناقتَه في ساحة الكعبة، وطلب المفتاحَ، ثم دخل البيتَ ومعه أسامةُ وبلالُ وعثمانُ.
مكث النبيُّ في الكعبة وقتاً، ثم خرج ليخاطبَ الناسَ. حينها اغتنم عبدُ اللهِ بنُ عمرَ الفرصةَ ودخل الكعبةَ، فوجد بلالاً يقف خلف الباب، فسأله: أين صلى النبيُّ هنا؟
فأشار بلالٌ إلى الركن الذي صلى فيه الرسولُ. ويقول ابنُ عمرَ لاحقاً: لقد فاتني أن أسألَ بلالاً عن عدد الركعات التي صلاها النبيُّ الكريمُ.
مواقف إنسانية وحزم في الرأي
بعد فتح مكة، توجهت سريةٌ عسكريةٌ إلى بني جذيمة من قبيلة كنانة، وكان ذلك بأمر النبيِّ وتحت قيادة خالدِ بنِ الوليدِ. عرض خالدٌ عليهم الاستسلامَ، لكنهم رفضوا وأصروا على مواجهة المسلمين، مما أدى إلى وقوع اشتباكٍ انتهى بوقوعهم في الأسر.
كان ابنُ عمرَ مشاركاً في هذه السرية. وبسبب استهزاء بني جذيمة بالإسلام سابقاً، اتخذ خالدٌ قراراً قاسياً يقضي بقتل الأسرى. هنا برز موقفُ ابنِ عمرَ الرافضِ، حيث قال بكل حزم: لا والله، لا أقتلُ أسيراً واحداً يقعُ تحت يدي، ولن يفعل ذلك أصحابي. وانتهت المهمةُ عند هذا الحد.
حين عادوا إلى المدينة وبلغ الخبرُ النبيَّ، رفع يديه نحو السماء ودعا مرتين: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالدٌ. لقد رفع هذا الموقفُ مكانةَ ابنِ عمرَ؛ فقد أثبت أن القتالَ ليس مجرد انفعالٍ عاطفي، بل هو موقفٌ عقلانيٌّ ومبدئي، وهذا ما أقره النبيُّ الكريمُ.
شهد ابنُ عمرَ أيضاً غزوة حنين في وادي تهامة، وهي الغزوة التي لقنت المسلمين درساً بليغاً. فرغم كثرة عددهم، إلا أن الجولة الأولى شهدت تراجعاً كبيراً في صفوف الجيش.
انسحب الكثيرُ من المقاتلين، ولم يثبت مع النبيِّ إلا فئةٌ قليلةٌ، كان من بينهم عمرُ بنُ الخطابِ، والدُ عبدِ اللهِ. صمد هؤلاء الرجالُ الثلاثة عشر حتى استعاد النبيُّ زمام المبادرة، ونادى الناسَ من جديد، فالتفوا حوله وتحقق النصرُ.
بعد المعركة، حصل عمرُ على جاريةٍ من قبيلة هوازن، فوهبها لابنه عبدِ اللهِ. يتذكر ابنُ عمرَ ذلك قائلاً: أرسلتُها إلى أخوالي من بني جمح ليعتنوا بها ويجهزوها لي، وذهبتُ لأطوفَ بالبيتِ.
حين انتهيتُ من الطوافِ، رأيتُ الناسَ يركضون في اضطراب، فسألتُ عن الخبر، فقالوا: لقد ردَّ رسولُ اللهِ السبايا والأطفالَ إلى أهلهم. فقلتُ لهم مباشرةً: إن صاحبتكم عند بني جمح، فاذهبوا إليها وخذوها. فذهب أهلُها واستلموها. لقد كان موقفاً يفيض بإنسانية النبيِّ، وكان ابنُ عمرَ شاهداً أميناً عليه.
لقد ظل ابنُ عمرَ حاضراً في كل الغزوات والتحركات العسكرية بعد الخندق. ويروي كيف شارك في سريةٍ نحو نجد، حيث نال كلُ جنديٍّ اثني عشر بعيراً كغنائم، ثم زادهم النبيُّ بعيراً إضافياً لكل واحد، مقراً بذلك التوزيع العادل.
