كان ابنُ عمرَ بحرًا من العلمِ، فقد نشأ وشغفُ المعرفةِ يملأ كيانَه منذ الصغر. كانت تطلعاته دائمًا نحو التعلم والتفكر والتطبيق. مثلت مجالسُ النبيِّ وحجرُ أبيه عمرَ مدرستَه الأولى. وكما ورد في الأثر: أنا مدينةُ العلمِ وعمرُ سورُها، فقد رصد ابنُ عمرَ كلَّ شيءٍ بدقة، وساعدته ذاكرتُه القويةُ على استيعاب كل ما يراه ويسمعه.
كان ابنُ عمرَ ملازمًا للمسجدِ النبوي، واهبًا حياتَه لطلبِ العلمِ. وضع دراسةَ القرآنِ الكريمِ في المقام الأول، فتلقى القراءاتِ من النبيِّ مباشرة، وحفظ القرآنَ كاملًا وعرضه على الرسولِ، مما أدخل السرورَ على قلب النبيِّ. ولم يكتفِ بالحفظ، بل استوعب تفسيرَ الآياتِ، وكان من أبرز طلاب المدرسة النبوية مع رفاقه كابن عمرو وابن عباس وابن الزبير.
أدرك ابنُ عمرَ تحذيرَ النبيِّ من أن القرآنَ يتفلت من الصدور أسرع من الإبل في عقلها، لذا اجتهد في تثبيت الحفظِ. وبما أنه عاصر نزولَ الوحيِ، كان الأمرُ ميسرًا له. ومع ذلك، لم يكن تعلمه لمجرد التلاوة أو التدريس، بل كان هدفه تطبيقَ القيمِ القرآنية في حياته. قضى في تعلم سورة البقرة أربع سنوات كاملة، أي قرابة 1440 يومًا لضبط 286 آية، بمعدل خمسة أيام لكل آية؛ وهو منهج تعليمي يفوق أدق الأنظمة الأكاديمية.
في الجانب الآخر، تعمق ابنُ عمرَ في دراسة الحديث الشريف، فراقب حركاتِ النبيِّ وسكناتِـه، وسأل عن كل ما أشكل عليه. وإلى جانب تلقيه المباشر عن النبيِّ، نهل العلمَ من كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وأبي ذر ومعاذ بن جبل وعائشة وغيرهم. وأصبح هو نفسه مرجعًا لغيره من الصحابة مثل ابن عباس وجابر. أما التابعون، فقد تخرجت على يديه ثلة مؤمنة منهم سالم وحمزة وسعيد بن المسيب ونافع.
وكما ذكر الإمامُ النوويُّ، فإن ابنَ عمرَ يأتي في المرتبة الثانية بعد أبي هريرة في كثرة مرويات الحديث، يليهم أنس وابن عباس وجابر وعائشة. ساعده على ذلك إسلامُه المبكرُ وملازمتُه الطويلةُ للنبيِّ، وكون أخته أم المؤمنين حفصة زوجة للنبيِّ. انتشر له في الكتب الستة 2630 حديثًا، منها 448 حديثًا اتفق عليها البخاريُّ ومسلمٌ.
كان ابنُ عمرَ شديدَ الحذرِ عند تحديثه عن النبيِّ، فكان الكثيرون يتوقون لسماع الحديث منه، لكنه كان يقلُّ من ذلك خشيةَ الزيادةِ أو النقصانِ. يقول الشعبيُّ: جالستُ ابنَ عمرَ عامًا فما سمعتُه يحدث عن الرسولِ إلا قليلًا. وأكد ابنُ حجرٍ أن ابنَ عمرَ كان يتحرى الدقةَ المتناهيةَ فيما ينقله. ومن دقة ملاحظته قولُه: راقبتُ النبيَّ شهرًا، فكان يقرأ في ركعتي الفجر بـالكافرون و الإخلاص.
