كان لابنِ عمرَ نظرةٌ فريدةٌ للعلمِ؛ إذ كان يرى أن العلمَ تجربةٌ حيةٌ يجب أن تغمرَ حياةَ الإنسانِ بالكاملِ. كتب إليه رجلٌ يوماً يسأله عن العلمِ، فأجابه: لقد سألتني عن العلمِ، فشكراً لك، ولكن العلمَ أوسعُ من أن يحيطَ به كتابٌ. فحاول أن تلقى اللهَ بلسانٍ لا يمسُّ أعراضَ المسلمينَ، وبيدٍ كفت عن دمائهم، وببطنٍ خلت من أموالهم، ملازماً لجماعتهم؛ فهذا هو المطلوبُ الآنَ.
لقد لخصت هذه النصيحةُ كلَّ شيءٍ. وعن أنواعِ العلمِ قال يوماً: العلمُ ثلاثةٌ: كتابٌ ناطقٌ، وسنةٌ قائمةٌ، وقولُ لا أعلم.
وفي مناسبةٍ أخرى قال: العلمُ الحقيقيُّ هو ما يرفعُ صاحبه فلا يحسدُ مَن فوقه، ولا يحتقرُ مَن دونه، ولا يبتغي عليه أجراً.
ويسترسل ابنُ عمرَ قائلاً: لقد عشنا دهراً نؤتى فيه الإيمانَ قبل القرآنِ، فكانت السورُ تنزلُ على النبيِّ فنتعلمُ حلالَها وحرامَها ونقفُ عند حدودِها. أما الآن، فأرى رجالاً أُوتوا القرآنَ قبل الإيمانِ، يقرأ أحدهم ما بين فاتحةِ الكتابِ وخاتمتِه، ولا يدري ما حلالُه ولا ما حرامُه، ولا يقفُ عند مواضعِ الزجرِ فيه.
وكان ابنُ عمرَ يعارضُ بشدةٍ أيَّ خللٍ في العباداتِ؛ فقد قال مرةً: يجيءُ يومَ القيامةِ قومٌ يُسَمَّونَ الناقصينَ. فسأله أحدهم: وفي أيِّ شيءٍ نقصوا؟ فأجاب: هم الذين ينقصون من صلاتهم بالالتفاتِ، ومن وضوئهم بالإهمالِ.
وسأله سائلٌ: إذا وجد قولُ لا إله إلا الله، فهل تضرُّ معها الأعمالُ؟ أليس تركُ الكلمةِ هو ما يبطلُ العملَ؟ فكان ردُّ ابنِ عمرَ حكيماً: اعمل ولا تغترَّ.
ومن نصائحه الأخرى: ما نلتَ من الدنيا شيئاً إلا نقصَ من نصيبِكَ في الآخرةِ، وإن كنتَ عند الناسِ كريماً. اجعل لنفسِكَ نصيباً من الخلوةِ. لن تبلغَ حقيقةَ الإيمانِ حتى يظنَّكَ الناسُ أحمقَ في دِينِكَ. أحقُّ ما طهرَّه الإنسانُ لسانُه. من كمالِ المروءةِ جودُ المرءِ بزاده على رفاقِ سفرِه. إن البرَّ شيءٌ هينٌ؛ وجهٌ طليقٌ، وكلامٌ لينٌ. احذر مَن يحملُ لك البغضاءَ في قلبهِ. ليس البخلُ أن يمنعَ الرجلُ مالَه، بل البخلُ أن يمنحَ الآخرينَ آمالاً كاذبةً. أحبُّ الطعامِ إلى اللهِ ما كثرت عليه الأيدي. أبغضُ العبادِ إلى اللهِ كلُّ طعانٍ عيابٍ.
