عندما تولى عبدُ الملكِ بنُ مروانَ الخلافةَ، بايعه الناسُ جميعًا، ولم يتخلف ابنُ عمرَ عن ذلك. بعث إليه برسالة نصها: من عبد الله بن عمر، إلى عبد الملكِ بنِ مروانَ. علمنا ببيعة المسلمين لكَ، وإني أقر بها. أبايعك على سنة الله ورسوله، وقد وافق أبنائي وأهلي على ذلك.
سُرَّ عبدُ الملكِ بقراءة الرسالة. لكن بعض الحاشية في ديوانه حاولوا إثارة الفتنة قائلين: إن ابن عمر بدأ باسمه قبل اسمك في الرسالة. رد عليهم عبدُ الملكِ قائلًا: لقد وصلتني رسائل كثيرة من عبد الرحمن يقصد كنية ابن عمر بهذا الأسلوب. كان عبدُ الملكِ يُجلُّ ابنَ عمرَ إجلالًا عظيمًا، حتى إنه أمر الحجاجَ بنَ يوسفَ ألا يخالف ابنَ عمرَ في أمور الحج، لعلمه بفضلِه ومكانتِه الفقهية.
بعد مقتل ابن الزبير، حكم الحجاجُ مكةَ. كان الحجاجُ رجلًا سفاكًا للدماء، فأصدر قراراتٍ تخالف الدين. لاحظ ابنُ عمرَ تلك التجاوزات أثناء قدومه للحج والعمرة، فكان ينتقد أفعالَ الحجاجِ علانية ويواجه الأخطاءَ بكل صراحة. ورغم أن الحجاجَ لم يكن يطيق الانتقاد، إلا أنه عجز عن مساس ابنِ عمرَ لقوة شخصيته وهيبته.
ومع ذلك، كان ابنُ عمرَ حذرًا في تعامله. ذات مرة، أرسل الحجاجُ رسالةً إليه يقول فيها: بلغني أنك تطمع في الخلافة، وهي لا تليق بمتلعثم أو بخيل أو غيور. لم يتردد ابنُ عمرَ في الرد بقوة، فكتب إليه: إن ما قيل عن طمعي في الخلافة إشاعة لا قيمة لها عندي. أما ما ذكرته عن اللعثمة والبخل والغيرة؛ فاعلم أن من يحفظ كتابَ اللهِ ليس بمتلعثم، ومن يؤدي الزكاةَ ليس ببخيل، وأما الغيرة، فلستُ بمغفل كي لا أغار على أهلي. كان هذا الردُ صاعقةً هزت كيانَ الحجاجِ.
في بعض المواقف، آثر ابنُ عمرَ الصمتَ خشية وقوع الفتن. ذات يوم، كان الحجاجُ يخطبُ وذكر أمرًا يستوجب الاعتراض. فكر ابنُ عمرَ في القيام والرد عليه، لكنه تذكر قولَ النبي صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسَه. فسُئل النبي: وكيف يذل نفسَه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق. أدرك ابنُ عمرَ أن الحجاجَ رسولُ دمار، وأن كلمةً واحدة قد تؤدي إلى خراب البلاد.
القصة الشهيرة لزيارة الحجاج لابن عمر في مرضه معروفة. كان سبب وفاته جرحًا في قدمه أصابه به أهل الشام. قال الحجاجُ مواسيًا: لو علمتُ من أصابك لقطعتُ عنقَه. جاء ردُ ابنِ عمرَ مفاجئًا: أنت الذي أصبتَني. دهش الحجاجُ وسأل: أنا؟ كيف ذلك؟ فأجاب: نعم، يوم أدخلتَ السلاحَ حرمَ الله، فبسببك جُرحتُ. لم يكن يهمه الجرح الجسدي، بل ما ألحقه الحجاجُ من ضرر بالإسلام والأمة.
عجز الحجاجُ عن النيل من ابن عمر في حياته، فحاول الانتصار عليه بعد موته. أوصى ابنُ عمرَ أن يُدفن خارج الحرم، لكن الحجاجَ خالف الوصية ودَفنَه داخل الحرم وصلى عليه إمعانًا في فرض سلطته.
رغم استحقاقه للخلافة، زهد فيها ابنُ عمرَ. كان يقول: أعظم سروري أني لم أنجر خلف المطامع الدنيوية. وأكدت السيدة عائشة رضي الله عنها ذلك بقولها: ما رأيت أحدًا لزم الأمر الأول منهج السلف كابن عمر. كان الناس يحبونه ويدعون: اللهم أبقِ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ ما عشنا، لنقتدي به. وذات مرة وهو ساجد في الكعبة، دعا قائلًا: ربِّ، إني لم أنازع قريشًا في أمر هذه الدنيا إلا خوفًا منك.
