عاش ابنُ عمرَ في عصر ازدهرت فيه العلومُ، وكان من الطبيعي أن يُسألَ عن قضايا لم تكن ضمن نطاق أبحاثه. ومع ذلك، لم يتردد ابنُ عمرَ قط في قول لا أعلم، بل كان يفخرُ بذلك. وهذا موقفٌ لا يقدرُ عليه إلا أصحابُ النفوسِ الساميةِ.
ذات مرة، طرح رجلٌ سؤالاً، فأجابه: لا أدري. فسأله أحدهم: لماذا لا تجيب؟ فكان رده: إذا سُئِلَ ابنُ عمرَ عما لا يعلم، فإنه سيقول لا أعلم.
ويروي عروةُ أن رجلاً جاء يسأل عن مسألة، فقال ابنُ عمرَ: لا علم لي بها. وبينما كان السائلُ ينصرف، قال ابنُ عمرَ محدثاً نفسه: سأل الرجلُ عما لا يعلمه ابنُ عمرَ، فقال ابنُ عمرَ لا أعلم. إن قول لا أعلم ليس عيباً، ولم ينقص ذلك من قدره عند الناس، بل ظلوا يتوافدون إليه يسألون في كل حين.
وقال مرةً: لو كنتُ أعلمُ أنكم ستحتاجون إليّ بهذا القدر، لتعلمتُ كل ما تحتاجونه، فقد عشتُ مع أعظمِ عالمٍ النبي صلى الله عليه وسلم.
وسأله رجلٌ يوماً: هل الأضحيةُ واجبةٌ؟ فأجاب: ضحى النبيُّ والمسلمونُ. فكرر الرجلُ السؤال، فقال ابنُ عمرَ: ألم تفهم ما قلت؟ ضحى النبيُّ والمسلمونُ.
وسأله آخر: نذرتُ أن أصوم كل يوم أربعاء، فماذا أفعل إذا صادف العيدُ يوم أربعاء؟ فأجاب: أمر اللهُ بالوفاء بالنذر، ونهى الرسولُ عن صيام العيد.
وسأله شخصٌ: أيهما أفضل في الصلاة؛ إطالة الركوعِ أم السجودِ؟ فكانت إجابته حكيمة: يا أخي، إن ذنوبَ الإنسان تتركزُ في رأسه، والسجودُ يحطُّ تلك الخطايا.
ثم قال ابنُ عمرَ لاحقاً: ليتني أجد ذلك السائلَ، لأمرته بالإطالة في الركوعِ والسجودِ معاً، فإني سمعت رسولَ اللهِ يقول: إن العبدَ إذا قام يصلي، وُضِعَتْ ذنوبه كلها على عاتقه، فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه.
